
أبو عبد الله الراشدي
ليس جديدًا أن يُعلن قائد الجيش المختطف استعداده للسلام، فهذه العبارة صارت لازمة خطابية تتكرر كلما ضاق الأفق السياسي. الجديد – أو بالأحرى الفاضح – هو أن هذا السلام يُقدَّم دائمًا مشروطًا، لا بوقف القتال، بل باستمراره تحت مسميات مختلفة. سلام لا يُغضب البندقية، ولا يُربك آلة الحرب، ولا يقترب من جذور المأساة.
حين يُقال “لا نرفض السلام”، ثم تُتبع الجملة مباشرة بسلسلة من المحاذير والتهديدات، يصبح السلام مجرد ديكور لغوي، يُستخدم لتجميل خطاب عسكري خالص. فالمعنى الحقيقي الذي يصل إلى الناس ليس الرغبة في إنهاء الحرب، بل الرغبة في إدارتها بشروط المنتصر المفترض، حتى وإن كانت المدن تحترق، والبلاد تتفكك.
اللافت في الخطاب الأخير ليس مضمونه بقدر ما هو مسرحه. فاللجوء إلى المنابر الدينية، وإحاطة الرسائل السياسية بهالة روحية، لم يعد تفصيلًا عابرًا، بل أصبح جزءًا من استراتيجية تعبئة تُوظف المقدّس لتسويغ العنف. هنا لا تُناقَش أسباب الحرب، ولا يُسأل عن مآلاتها، بل تُقدَّم باعتبارها قدرًا لا يُرد، ونصرًا مؤجَّلًا تضمنه الأدعية لا السياسة.
هذا الخطاب، في جوهره، يعكس أزمة عميقة في فهم الدولة. فالدولة تُقدَّم كمعسكر، والمجتمع كاحتياط تعبوي، والسلام كتنازل خطير. لا مكان في هذه الرؤية لمفهوم العقد الاجتماعي، ولا لفكرة أن وظيفة السلطة هي حماية الحياة لا تعظيم المقابر. وحين يُختزل الوطن في مؤسسة عسكرية، يصبح الاختلاف خيانة، والسؤال تهديدًا، والمطالبة بالمحاسبة عدوانًا.
الأكثر تناقضًا أن الدعوة لوضع السلاح “والانحياز للسلام” تأتي مترافقة مع التلويح بالمحاسبة والإقصاء. سلام بلا ضمانات، وبلا عدالة، وبلا اعتراف بالأخطاء، هو في أحسن الأحوال هدنة خطابية، وفي أسوأها وصفة لحرب أطول وأكثر قسوة. فالسلام لا يُبنى بالوعيد، ولا يُفرض بمنطق الغلبة.
لقد جرّب السودانيون هذا النوع من الخطاب طويلًا. خطاب يُراكم الوعود ويؤجل الحلول، ويستبدل السياسة بالشعارات، والاعتراف بالإنكار. وكانت النتيجة دائمًا واحدة: مزيد من الدم، ومزيد من الانقسام، ومزيد من الابتعاد عن الدولة التي حلموا بها.
إن السلام الحقيقي لا يحتاج إلى خطب عالية السقف، بل إلى شجاعة سياسية تعترف بأن الحرب فشلت، وبأن الدولة لا تُدار بالاصطفاف القسري ولا بالشرعية الصوتية. ما يحتاجه السودان اليوم ليس سلامًا مفصّلًا على مقاس الحرب، بل دولة تُفصَّل على مقاس الإنسان. دون ذلك، سيظل السلام شعارًا، وستظل الحرب هي الواقع.




