رأي

الفيدرالية التماثلية وفيدرالية الهوية التعددية: أيهما أصلح لحل أزمة الحكم في السودان؟

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

ظلَّت أزمة الحكم في السودان، منذ الاستقلال، تدور حول سؤالٍ محوري كيف يمكن بناء دولةٍ تستوعب تنوعها الجغرافي والثقافي والإثني، وتحقق في الوقت نفسه الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي؟ وقد تعاقبت على السودان أنظمة حكم مركزية وفيدرالية، إلا أن معظمها لم ينجح في معالجة جذور الأزمة، لأن الخلاف لم يكن في شكل الدولة وحده، بل في فلسفة إدارتها للتنوع. ومن هنا تبرز أهمية المقارنة بين الفيدرالية التماثلية وفيدرالية الهوية التعددية بوصفهما نموذجين مختلفين لمعالجة إشكالية الحكم.

تقوم الفيدرالية التماثلية على مبدأ المساواة القانونية بين جميع الوحدات الاتحادية، بحيث تتمتع الولايات أو الأقاليم بالاختصاصات والصلاحيات نفسها، دون تمييز. ويهدف هذا النموذج إلى ترسيخ وحدة الدولة ومنع ظهور امتيازات دستورية لإقليم دون آخر. ويتميز بالوضوح في توزيع الاختصاصات، وسهولة الإدارة، وتعزيز مبدأ المساواة أمام القانون. إلا أن هذا النموذج يفترض أن جميع الأقاليم تعيش ظروفًا متقاربة، وهو افتراض يصعب تطبيقه في الدول التي تعاني تفاوتًا تاريخيًا في التنمية أو اختلافًا عميقًا في البنية الاجتماعية والثقافية.

أما فيدرالية الهوية التعددية، فهي رؤية دستورية تنطلق من الاعتراف بأن وحدة الدولة لا تعني إنكار التنوع، وإنما تنظيمه دستوريًا. ويقوم هذا النموذج على مبدأ أن العدالة قد تقتضي منح بعض الأقاليم صلاحيات أوسع إذا كانت لها خصوصيات تاريخية أو ثقافية، أو إذا عانت نزاعات طويلة وتهميشًا سياسيًا واقتصاديًا. ولا يعني ذلك إنشاء كيانات مستقلة داخل الدولة، بل توزيعًا مرنًا للاختصاصات يحقق المساواة الموضوعية، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة وسيادتها.

وتبدو المقارنة بين النموذجين ذات أهمية خاصة في الحالة السودانية. فدارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق ليست مجرد ولايات تختلف في حدودها الإدارية، بل هي أقاليم ارتبط تاريخها الحديث بقضايا التهميش، والنزاعات المسلحة، وضعف التنمية، والمطالبة بالاعتراف بالتنوع الثقافي والسياسي. ولذلك فإن إخضاعها للترتيبات الدستورية نفسها التي تُطبق على أقاليم لم تمر بالظروف ذاتها قد يحقق مساواة شكلية، لكنه لا يحقق العدالة الدستورية.

ومن هذا المنطلق، فإن فيدرالية الهوية التعددية لا تستبدل مبدأ المواطنة بالهوية، بل تجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات، مع الاعتراف بأن حماية التنوع الثقافي واللغوي جزء من هذه المواطنة. فهي تمنح الأقاليم صلاحيات أوسع في مجالات التعليم، والثقافة، والإدارة المحلية، والتخطيط التنموي، مع احتفاظ الحكومة الاتحادية بالاختصاصات السيادية، مثل الدفاع، والسياسة الخارجية، والجنسية، والعملة، والقضاء الدستوري.

ويتميز هذا النموذج بأنه يسعى إلى معالجة الأسباب البنيوية للنزاعات، بدلًا من الاكتفاء بإدارة آثارها. فكلما شعر سكان الأقاليم بأن هويتهم محترمة، وأن مشاركتهم في السلطة والثروة مكفولة بالدستور، تراجعت دوافع الإقصاء والصراع، وتعزز الانتماء إلى الدولة الوطنية.

ومع ذلك، فإن نجاح فيدرالية الهوية التعددية يقتضي وجود ضمانات دستورية واضحة، حتى لا تتحول الصلاحيات الخاصة إلى مصدر جديد للخلاف. ومن أهم هذه الضمانات وجود محكمة دستورية مستقلة، ونظام عادل لتوزيع الموارد، ومجلس اتحادي يمثل الأقاليم تمثيلًا متوازنًا، وآليات دستورية تمنع تغول أي مستوى من مستويات الحكم على اختصاصات المستوى الآخر.

إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة توزيع السلطات، بل إلى إعادة بناء فلسفة الدولة نفسها. فالأزمة ليست أزمة حدود إدارية، وإنما أزمة اعتراف وشراكة وعدالة. ولذلك فإن الفيدرالية التماثلية قد تكون مناسبة للدول المتجانسة، أما السودان، بما يحمله من تنوع قومي وثقافي وتاريخي، فقد يكون أكثر حاجة إلى نموذج يقوم على الاعتراف بالتعددية ضمن إطار دولة اتحادية واحدة.

إن فيدرالية الهوية التعددية ليست دعوة إلى الانقسام، بل مشروع لإعادة تأسيس الوحدة الوطنية على أسس جديدة، تجعل من التنوع مصدرًا للقوة بدلًا من أن يكون سببًا للصراع. وإذا صيغت هذه الرؤية في إطار دستور ديمقراطي، يضمن المواطنة المتساوية وسيادة القانون وعدالة توزيع السلطة والثروة، فإنها قد تمثل أحد أهم المداخل لإيجاد حل مستدام لأزمة الحكم في السودان، وبناء دولة تتسع لجميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!