
أحمد باتية
تابع المجتمع الدولي والعالم أجمع مجريات المعارك التي اندلعت في مدن شمال كردفان، وما صاحبها من عمليات عسكرية نفذها الجيش السوداني والقوات المساندة له من الحركات المسلحة والمجموعات المتحالفة معه، في وقت تتواصل فيه معاناة المدنيين وتتفاقم الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة، وسط اتساع رقعة النزوح وتراجع الخدمات الأساسية واستمرار المخاطر التي تهدد حياة السكان.
ومنذ اندلاع الحرب، شهدت الساحة السودانية العديد من المبادرات والمحاولات الإقليمية والدولية التي استهدفت التوصل إلى هدنة إنسانية، أو وقف لإطلاق النار، أو فتح مسارات للحوار والتفاوض تمهيداً للوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتضع البلاد على طريق السلام والاستقرار. غير أن القيادة العسكرية بقيادة عبد الفتاح البرهان ظلت ترفض تلك المبادرات أو تتعامل معها دون الوصول إلى نتائج عملية، الأمر الذي أدى إلى ضياع فرص متكررة كان يمكن أن تسهم في وقف نزيف الدم وإنهاء معاناة الشعب السوداني.
إن استمرار رفض الحلول السلمية، بالتزامن مع تصعيد العمليات العسكرية، يعكس إصراراً على المضي في خيار الحرب رغم ما خلّفه من خسائر بشرية ومادية جسيمة. كما يؤكد أن القوى الرافضة للسلام ما زالت تضع الخيار العسكري فوق أي مسار سياسي، على حساب المواطنين الذين يدفعون الثمن الأكبر من أرواحهم وأمنهم واستقرارهم ومستقبلهم.
لقد وصلت مرحلة الصبر إلى نهايتها، وأصبحت كل الفرص التي قُدمت من أجل السلام قد استنفدت، ولم يعد هناك ما يبرر استمرار الرهان على مبادرات تُقابل بالرفض أو التعطيل. ويصدق في هذا المقام القول: “ولا عذر لمن أُنذر”، إذ إن مسؤولية استمرار الحرب وما يترتب عليها من مآسٍ إنسانية تقع على عاتق من يرفضون إيقافها ويصرون على مواصلة التصعيد العسكري.
وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم شاملة لمسارات التفاوض والوساطات، انطلاقاً من حقيقة أن الفرص التي أُتيحت لتحقيق السلام قد استُنفدت، وأنه لا ينبغي منح الحركة الإسلامية أي فرصة لاستخدام الحوار غطاءً لإعادة ترتيب صفوفها أو مواصلة عملياتها العسكرية، بينما يستمر المواطن السوداني في دفع كلفة الحرب يوماً بعد آخر.
إن مصلحة الشعب السوداني وأمنه واستقراره يجب أن تكون فوق كل الاعتبارات السياسية والعسكرية، وأن تمثل الأساس الذي تُبنى عليه أي مقاربة دولية أو إقليمية للتعامل مع الأزمة السودانية.
إن استمرار الحرب ورفض السلام من قبل الجيش والحركة الإسلامية والقوى المتحالفة معها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضحايا، واتساع دائرة الدمار، وتعميق الأزمة الوطنية، الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لاتخاذ موقف أكثر حسماً لحماية المدنيين، ودعم مسار سلام حقيقي يقوم على إنهاء الحرب، وليس إدارة الصراع أو إطالة أمده.
لقد قُدمت للسودان فرص عديدة ومبادرات متكررة، إلا أن استمرار التصعيد ورفض السلام جعلا المشهد أكثر تعقيداً، وأوصلا البلاد إلى مرحلة أصبح فيها واضحاً أن كل من يرفض وقف الحرب يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية والإنسانية أمام الشعب السوداني وأمام التاريخ، الذي لن يتجاوز دور أي طرف أسهم، بالفعل أو بالموقف، في إطالة أمد هذه الحرب وتعميق معاناة السودانيين.




