رأي

النفاق المؤسسي: “تفكيك النفاق المدني” وأقنعة الزيف الحزبي في السودان

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

مجدي محمد مصطفى ماكن

هل تحالف “تأسيس” عميان وأطرش؟

أم أن به قوى تمسك العصاية من المنتصف، وراقدة ليها فوق رأي؟

لقد انزعجت، مثل كثير من التأسيسيين، من مباركة تحالفنا التاريخي “تأسيس” لبيان ما يسمى بـ “قوى إعلان المبادئ” (أحزاب نيروبي). هذا الموقف المتذبذب والمائع يجعل السؤال أعلاه هو أنسب مدخل، وسؤالاً عاجلاً يبحث عن إجابة حاسمة وفورية من قيادة التحالف ورئيس وزرائه.

أولاً: شعارات “المدنية” وعقدة الخوف من الندية

إن شعار “العسكر للثكنات والجنجويد يتحل”، الذي رفعته الأحزاب السياسية في ثورة ديسمبر وتبنته لاحقاً تجمعات مثل “قوى إعلان المبادئ” والكتل التي تطلق على نفسها “القوى المدنية”، يبدو في ظاهره طرحاً ديمقراطياً مثالياً. فالأطروحة البسيطة المتداولة في الصالونات تقول: (إن المؤسسة العسكرية تعاني من خلل بنيوي، والحل يكمن في إصلاحها وإعادتها إلى وظيفتها الدستورية، وترك المجال السياسي للأحزاب والمدنيين).

لكن هذا الطرح يمثل ذروة “النفاق المؤسسي”؛ إذ تتفادى هذه النخب المدنية والأحزاب طرح الأسئلة الجوهرية والتاريخية: كيف تخربت هذه المؤسسة العسكرية أصلاً؟ ومتى؟ ومن الذي قادها بيديه إلى هذا المنحدر؟

إن التاريخ الذي تحاول هذه القوى السياسية إخفاءه، يؤكد أن الأحزاب المدنية هي التي ذهبت برغبتها الكاملة إلى قائد الجيش الفريق إبراهيم عبود في عام 1958، وطلبت منه استلام السلطة لتقويض النظام الديمقراطي والحكم المدني الناشئ. لقد ذهب رئيس وزراء “منتخب” إلى منزل قائد الجيش ليدعوه صراحةً لاغتصاب السلطة، وحل الأحزاب، وتوجيه سلاح الجيش ضد القوى الديمقراطية في الأقاليم، المنادين بالفيدرالية وفق آليات دستورية وبرلمانية مشروعة.

وهنا نسأل: هل يحتاج قادة تحالف “تأسيس”، أو رئيس وزراء حكومة تأسيس، إلى “درس عصر” استثنائي لإدراك هذه الحقيقة التاريخية البديهية؟!

ثانياً: الجيش كغطاء للأيديولوجيا والمليشيا كأداة وظيفية

الحقيقة التاريخية المفصلية هي أنه لا يوجد حزب سياسي في السودان لم يقم بتجنيد خلايا وضباط لصالحه داخل الجيش بهدف القفز إلى السلطة، وليس هناك تنظيم حزبي لم يشارك أو يخطط لانقلاب عسكري.

لم يكن الجيش في نظر هؤلاء مؤسسة قومية لحماية الوطن، بل استُخدم كذراع مسلح لفرض الهوية والثقافة العروبية والإسلاموية كـ “غلاف” وشعار للدولة، بهدف استدامة التفرقة والظلم، والاضطهاد، وهضم حقوق الأقاليم. وعندما عجزت المؤسسة العسكرية “بسبب عقيدتها الإقصائية الفاشلة” عن حماية مصالح نخب المركز في الأطراف، لجأت الدولة إلى تأسيس “المليشيات” لغرض واحد أوحد: التهرب من استحقاق بناء حياة سياسية ومجتمع مدني ديمقراطي فيدرالي يقوم على الندية والمساواة، بدلاً من هيمنة النخب المركزية على مجالات الحياة المدنية، والعسكرية، والاقتصادية.

هذه المليشيات لم تنبت في الفراغ، بل هي صناعة أصيلة لدولة 56؛ بدءاً من قوات “السلام” ثم “المراحيل”، و”حرس الحدود”، و”الدفاع الشعبي”، بالإضافة الى “القوات الصديقة” في جنوب السودان السابق، وصولاً إلى مليشيات النوير بقيادة “فاولينو ماتيب”، ومليشيات الدينكا بقيادة “عبد الباقي أيي”، ومليشيات المورلي بقيادة “إسماعيل كوني”، ومليشيات المنداري بقيادة “كلمنت واني” في الجنوب. كلها تأسست تحت إشراف الجيش، والاستخبارات، والدولة العميقة لتفتيت النسيج الاجتماعي في الأقاليم بالوكالة، لتبقى نخب الخرطوم في مأمن تدير السلطة والثروة المنهوبة دون وجه حق!

فهل يحتاج تحالف تأسيس، أو حكومة تأسيس، إلى “سوط” فكي محمد الله يرحمه المسمى ب “حاج مرطوق” لكي تستوعب عقولهم هذه الحقائق التاريخية النارية؟!

ثالثاً: الأبارتهايد الـمُتخفي.. وجوب رد الاعتبار لضحايا الدولة الفاشية

بدلاً من الركض وراء تأييد إعلان هلامي مصنوع في مطابخ “نخب نيروبي”، كان من الأجدر والأوجب استراتيجياً لتحالف “تأسيس” أن يصدر بياناً تاريخياً يعيد الاعتبار لضحايا الدولة الفاشية من السودانيين الأفارقة، الذين استبيحت دماؤهم، وأعراضهم، وأموالهم في مختلف الحقب منذ هذا الاستقلال المزيق. أن يصدر بياناً تاريخياً يعيد الاعتبار لضحايا الدولة الفاشية من أبناء البوادي الذين زج بهم في حروب عبثية أهلكت أرواح الملايين.

إن التعريف القانوني الدولي الصارم لنظام الأبارتهايد (الفصل العنصري) ينطبق كلياً على واقع دولة 56؛ فهو ليس مجرد لافتات عنصرية، بل هو الهيمنة الثقافية أو الدينية إذا اقترنت بـ:

قمع ممنهج وعنيف.

حرمان سياسي وهيكلي مستدام.

تمييز مؤسسي دائم في مفاصل الاقتصاد والوظيفة العامة.

إعادة إنتاج مستمرة للسيطرة العرقية والجهوية.

هذه المنظومة الكاملة لنظام الأبارتهايد المتخفي تحت غطاء الدولة القومية في السودان هي ما يجب تفكيكه. ونحن هنا لا نريد أن نقول إن هناك جهات داخل تحالف “تأسيس” تحاول التلاعب بوعي الجماهير وإخفاء هذه الحقائق الصلبة، بهدف تمرير مصالحة رخيصة وتسوية هشة تعيد إنتاج دولة 56 بوجوه جديدة.٠

رابعاً: في انتظار “دكليرك سوداني”.. أين رئيس الوزراء من مبادئ التأسيس؟

إن الأجدر برئيس الوزراء أن يباشر فوراً في تنزيل مبادئ “تأسيس” إلى أرض الواقع، بدلاً من التماهي مع أطروحات إدارة الأزمة الانتقالية التقليدية. يجب عليه أن يكمل الاعتراف التاريخي بحقيقة الدولة الفاشية المتدثرة بالعروبة والإسلام، كما ذكرها صراحة السيد القائد المؤسس محمد حمدان دقلو في خطاباته الأخيرة. إن الأجدر برئيس الوزراء أن يعمل على تحرير العروبة و الإسلام من الاختطاف بمطالبة أحزاب المركز بتقديم اعتراف و اعتذار للشعوب السودانية كافة لصناعتها هذا المأساة المستمرة.

إن النخبة العربية والبدوية داخل التحالف مطالبة اليوم بتقديم “دكليرك سوداني” من صلبها. قائد يملك الشجاعة الأخلاقية ليعترف بجرائم هذه الدولة الفاشية، ويقوم بـ “تبرئة العروبة والإسلام” من هذه الفظائع، كاشفاً المنظومة الهيكلية التي تلاعبت بالدين والعرق لاضطهاد شركاء الأرض.

إن انتظار أن يأتي هذا “الدكليرك” من صفوف جنرالات الجيش الفاسدين أو من أحزاب المركز المنافقة هو ضرب من الوهم؛ فمن الواضح جداً أنه لن يأتي من هناك أبداً.

ومن يعجز من قادة تحالف تأسيس عن مخاطبة وحمل هذا العبء الأخلاقي، فإنه يضع نفسه في خانة المتواطئ لإعادة إنتاج الأزمة.

خامساً: المؤامرة الخفية خلف شعار “الحل والدمج”

إن دعوة الأحزاب في السابق وفي الوقت الحالي لحل الجنجويد، وإرسال العسكر للثكنات، واكتفائهم بحديث هلامي عن “إصلاح الجيش”، هي دعوة مخادعة. بل هي مؤامرة استراتيجية خبيثة تهدف إلى حرمان الهامش من أي قوة عسكرية خشنة تحمي حقوقه أو تفرض شروطه في أي تفاوض مستقبلي، وإخلاء الساحة تماماً لصالح جيش مسيس، وفاسد، ومخترق حتى النخاع لصالح المركز القديم وتوازناته التاريخية.

يجب على قوى السودان الجديد، وتحالفه التاريخي، أن يواجها أحزاب دولة 56 ويطالبوها بأن تتحلى بالشجاعة والشرف، وتعترف بحقيقة هذه المؤامرة التاريخية، وتتوقف فوراً عن استخدام المصطلحات التضليلية والترميز الزائف لادعاء قومية كاذبة. إن الخيار الأشرف لهذه التنظيمات هو حل نفسها، أو التأسيس لمرحلة جديدة داخلها تحترم دم الإنسان السوداني وحقوقه المتساوية، و توقف هيمنة أبناء المركز على تلك الأحزاب. ودون ذلك، لن يكون هناك أي فرق جوهري بين هذه النخب وبين “ضباط البازنقر” الذين عملوا تاريخياً كأدوات بطش رخيصة لصالح المستعمر الداخلي ضد أهلهم.

سادساً: تفكيك بنية الدولة قبل المليشيا

في المستقبل القريب، عندما يمثل جنرالات الجيش أمام محاكم السودان الجديد، لن يتحملوا وزر الجرائم بمفردهم؛ بل سيكشفون كافة الوثائق والاتفاقات السرية التي ستجر قادة الأحزاب والمدنيين “الأطهار” إلى دائرة المساءلة الجنائية كشركاء أصيلين في الانقلابات وسفك الدماء، ووضع القواعد المزيفة لترسيخ الشقاق والفتنة بين السودانيين.

بناءً على هذا، فإن القاعدة الاستراتيجية الصارمة والثابتة للمرحلة الحالية هي: “بنية دولة 56 يجب أن تتفكك وتتحل قبل الجنجويد”، لأنها ببساطة الرحم البنيوي الموبوء والمنتج للمليشيات أصلاً. إن تفكيك منظومة الامتياز التاريخي والإقصاء الاقتصادي والسياسي في المركز هو الشرط الأساسي والجذري لأي سلام حقيقي. وما لم يحدث ذلك، فإن كل التضحيات، والدماء الطاهرة التي سُفكت، والدمار الأسطوري الذي طال البلاد، لن يتعدى كونه خسارة مجانية عبثية بلا ثمن أو طائل.. “خسار مريسة ساكت”!

ختاما هل تعلم عزيزي القارئ بأن عدد ضحايا نظام الأبارتهايد العلني في جنوب أفريقيا السابقة من 1948 الى 1994 قد بلغ (21 ألف شخص). وهل تعلم عزيزي القارئ بأن عدد ضحايا الأبارتهايد المنقب في السودان (دولة 56) من البشر منذ الاستقلال حتى اليوم يفوق 4 مليون قتيل؟. أي حوالي 200 ضعف ضحايا البيض!

دا معناه شنو؟  

معناه من أمن العقاب ساء الأدب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!