رأي

حين يفك الحليم الرسن زلزال الحسم القادم

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

في لحظات التحول التاريخي المفصلية التي تعيد رسم الخرائط وتشكيل مجرى الحوادث الكبرى، لا تقاس الفصاحة بكثرة المفردات ولا بزخرف القول، بل بمدى القدرة القيادية على إحداث القطيعة النهائية مع مرحلة بأكملها، وتدشين عصر جديد لا مكان فيه للتردد أو الخيار الأوسط. لقد جاء خطاب السيد القائد الرائد الذي لا يكذب اهله ، الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة السلام الانتقالية والقائد الأعلى للأشاوس، بمثابة الوثيقة التاريخية الصارمة والمانيفستو الميداني الذي أعلن في جوهره إعادة ترتيب الأوراق الميدانية وفق قواعد جديدة لم يتوقعها الخصوم ولم يستوعبها الحاقدون. كان الخطاب نداءً حاسماً ومباشراً حفر مجراه عميقاً في وجدان الشعب والقوات المرابطة في الثغور، ليؤكد للجميع أن أمد ضبط النفس قد استوفى غاياته الكاملة، وأن الصبر الجميل الذي اتسمت به قيادة الهامش لم يكن يوماً دليلاً على الضعف أو الخور، بل كان تدبيراً استراتيجياً ورغبة صادقة في منح السلام كل الفرص الممكنة تجاوباً مع تطلعات المجتمع الدولي ودعوات التهدئة الإقليمية.

لقد توهمت القوى المضادة، وفي مقدمتها جيش وكلاء الاستعمار القديم وفلول قوى الردة البائدة ومجموعات الحركات المرتزقة التي اقتنصت الفتات على حساب كرامة المواطن، أن التزام القائد بالمهادنة وحرصه على تجنيب البلاد المزيد من الدمار هو حالة من العجز السياسي أو الانكماش الميداني. تناسى هؤلاء، في غمرة نشوتهم العابرة وأوهامهم المريضة، الحكمة الخالدة التي تحذر دائماً: احذروا صول الحليم إذا غضب، وتوقوا بأس الصبور إذا ضاق به المدى. لقد استمر المعتدون في غيهم، ومارسوا شتى أشكال الانتهاكات والاستفزازات، وظنوا أن سفينة الهامش ستظل راسية عند حدود الانتظار والترقب إلى الأبد. غير أن الخطاب الأخير حطم هذه الأوهام على صخرة الواقع الصلبة، وجاء تعبيراً مدوياً عن غضبة الحليم التي يخشاها العارفون بالحروب وتقلبات الميادين العسكرية.

إن النقطة الجوهرية والتحول الهيكلي الذي أرخ له هذا الخطاب الخالد يكمنان في الإعلان الصريح المباشر عن فك الرسن. إن فك الرسن في المفهوم العسكري والاستراتيجي لدى الأشاوس يعني إنهاء كافة القيود المكبلة للاندفاع الميداني، وإطلاق العنان للقدرات الضاربة التي ظلت محبوسة تحت بند الالتزام السياسي والمهادنة التكتيكية. لم يعد ثمة حدود أمام التحرك الشامل، ولم تعد هناك خطوط حمراء تمنع حسم المعركة في أعمق نقاطها الجغرافية. هذا الإعلان الهام لا يمثل مجرد توجيه عسكري تنفيذي عادي، بل هو تحول بنيوي يقلب المشهد السياسي والميداني رأساً على عقب، ويضع الخصوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإذعان الكامل لإرادة التغيير والعدالة الاجتماعية، أو مواجهة المصير المحتوم تحت وطأة الحسم الناجز والصارم.

لقد أثبت القائد حميدتي عبر مسيرته النضالية الطويلة أنه النبض المباشر للغالبية المظلومة، وصوت الكادحين والمهمشين في كافة ربوع السودان، والدرع الحصين لكل من عانوا عقوداً طويلة من التهميش المركب والسيطرة الفئوية الناشئة عن نظام المركز الاحتكاري. وعندما أطال القائد الصبر، نزولاً عند رغبة الأسرة الدولية، واحتراماً للوساطات والتفاهمات الدولية والإقليمية، كان يستهدف تعرية النظام القديم وكشف زيف أدعياء الشرعية أمام العالم أجمع. وقد نجحت هذه الاستراتيجية الشجاعة في إظهار الحقيقة جلياً: فالطرف الآخر لا يملك رؤية حقيقية لبناء الدولة أو تحقيق السلام، بل يعتمد بالكامل على بائعي المواقف ووكلاء المحاور الخارجية الذين لا يملكون إرادة حرّة ولا رؤية شريفة. وبعد أن استنفدت القيادة كافة خيارات اللين والصبر الاستراتيجي، جاء هذا الخطاب ليقطع قول كل خطيب، وليعلن أن زمن الاستهتار برغبة المهمشين قد انتهى بلا رجعة.

تضمن الخطاب توجيهات عسكرية وأخلاقية صارمة تعكس أقصى درجات الضبط والربط الميداني، والوعي بالمسؤولية الوطنية والإنسانية العالية. كان حظر التصوير العشوائي ومنع تداول المعلومات الميدانية عبر الوسائط غير الرسمية قراراً أمنياً وسيادياً بامتياز، يهدف إلى تجريد العدو من أية اختراقات استخباراتية مجانية كانت تنفذ عبر الفوضى الإعلامية. كما أن التأكيد القاطع على ضرورة حماية المدنيين وممتلكاتهم والالتزام الصارم بقواعد الحرب والقوانين الدولية والأعراف المتبعة، يبرهن على أن هذه القوات لا تخوض حرباً من أجل الشغف بالقتال، بل تخوض معركة شريفة ومحقة لتأسيس دولة العدالة والمساواة وسيادة القانون.

إن الأشاوس اليوم على كامل الجاهزية والاستعداد لتنفيذ مفردات هذا الخطاب التاريخي بالحرف والروح. إنهم يدركون تماماً أن ساعة الحسم قد أشرقت، وأن اللحظة الحاسمة لإعادة كتابة التاريخ بالسلاح والعزيمة قد أتت بالفعل. سيتدفق الأشاوس في كافة الخطوط الأمامية والمحاور الجبهوية، محمولين برجاء الملايين من أبناء الشعب الذين انتظروا هذه اللحظة طويلاً، ليلقنوا قوى الردة ووكلاء الاستعمار درساً قاسياً ومباشراً لن ينسوه على مر العصور. ستحول هذه العزيمة المتجددة مجرى المعارك بسرعة الصاعقة، وستشهد الأيام القليلة القادمة تحولات جغرافية وسياسية عميقة تعيد الحق إلى نصابه، وتؤكد أن السودان الجديد لا يمكن أن يبنى على أنقاض الهامش المظلوم أو بإرادة الخونة والمرتزقة.

ختاماً، سيظل خطاب السيد القائد الفريق أول محمد حمدان دقلو علامة فارقة وشاهداً أبدياً في تاريخ السودان الحديث والمعاصر. لقد رسم الخطاب الخط الفاصل بين مرحلتين تاريخيتين: مرحلة الصبر الجميل وضبط النفس التي سادت سابقاً، ومرحلة القطع والحسم الشامل التي بدأت توئذاً ولن تتوقف إلا بتحقيق كامل تطلعات الشعب السوداني العظيم. إن ساعة الحسم قد أشرقت حقيقة لا خيالاً، وإن الأشاوس في الميدان أثبتوا ويُثبتون دائماً أنهم عند حسن ظن القائد والأمة. فليعلم الجميع أن الحليم إذا غضب وفك الرسن، فإن زلزال انتصاراته لا يقتصر على كسر شوكة الأعداء فحسب، بل يعيد بناء وجه التاريخ والمستقبل القادم بأسره برؤية إيمانية وطنية راسخة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!