
نجوى بابو
ليس أخطر ما أنتجته الحرب في السودان هو اتساع رقعة الدمار، ولا تضاعف أعداد النازحين والقتلى، بل اعتياد السودانيين على مشهد يتكرر بلا نهاية: شباب الهامش يتقدمون إلى ساحات القتال، بينما تعود أجسادهم إلى قراهم ملفوفة بالأكفان وفي كتير من الأحيان لا يعودون لذويهم وكأن دماء أبناء كردفان ودارفور والنيل الأزرق أصبحت موردًا متجددًا لحروب لا تنتهي، فيما تظل أسبابها السياسية قائمة دون معالجة.
إنها معادلة تستحق التوقف عندها. ففي كل جولة من جولات الصراع في السودان منذ ١٩٥٥ يبدو أن الهامش لا يُستدعى شريكًا في التنمية وصناعة السلام بقدر ما يُستدعى وقودًا للحرب. يُطلب من شبابه أن يقاتلوا أو يستخدموا كسياسة الأمر الواقع مثال حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣ حينما رفضت قوات الدعم السريع المواجهة مع الحركات المسلحة فرضت عليهم الحرب بأيادي الأخوان المسلمين الارهابيين ويطلب من زوجاتهم وأطفالهم ومن أمهاته أن يصبرن، ومن مجتمعاته أن تتحمل الخراب، بينما يبقى شعب نهر النيل والجزيرة والشمالية في حالة أمان واستغرار ويظل حلم العدالة والتنمية مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
على مدى عقود، لم تكن مطالب أبناء دارفور وكردفان والنيل الأزرق مطالب استثنائية، بل كانت مطالب أي مواطن يسعى إلى دولة عادلة وتنمية متوازنة، ومشاركة منصفة في السلطة والثروة، وخدمات أساسية، واحترام للكرامة الإنسانية. غير أن مسار الأحداث كثيرًا ما دفع تلك المجتمعات إلى دوامة الصراع، حتى أصبحت الحرب، بالنسبة إلى أجيال كاملة، واقعًا يوميًا لا استثناءً عابرًا.
ما يمكن وصفه بـتجييش الهامش ضد الهامش حين يجد أبناء المناطق المهمشة أنفسهم في مواجهة بعضهم بعضًا، بينما تبقى الأزمة الوطنية بأسبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون حل جذري. وعندما تتحول المجتمعات التي عانت التهميش إلى ساحات مواجهة داخلية، فإن الخاسر الحقيقي ليس طرفًا بعينه، بل الوطن بأكمله.
الحروب لا تعيد بناء المدارس التي دمرتها القذائف، ولا تفتح المستشفيات التي أغلقتها المعارك، ولا توفر فرصة عمل لشاب أنهكته سنوات النزوح. الحرب لا تنتج إلا المزيد من الثكالى، والمزيد من الأطفال المحرومين من التعليم، والمزيد من الانقسامات التي تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.
ولذلك فإن أي قراءة مسؤولة للمشهد السوداني يجب أن تنطلق من قيمة الإنسان، لا من حسابات المكاسب العسكرية. ومن حق المواطنين أن يناقشوا أداء القوى السياسية والعسكرية، وأن ينتقدوا السياسات التي يرون أنها أسهمت في إطالة أمد الصراع، لكن يبقى المعيار الأخلاقي الأهم هو حماية حياة المدنيين، والسعي إلى إنهاء الحرب، ومعالجة جذور الأزمة، بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
إن السلام ليس اتفاقًا يوقعه المتحاربون فحسب، بل عقدًا جديدًا بين الدولة ومواطنيها، يقوم على المساواة والعدالة وسيادة القانون، ويضمن ألا يشعر أي سوداني بأن جغرافيته أو قبيلته تحددان قيمة حياته أو حجم حقوقه.
لقد أثبت التاريخ، في السودان وفي غيره، أن الدول لا تستقر بالقوة وحدها، وإنما تستقر حين يشعر مواطنوها بأنهم متساوون أمام القانون، ومتساوون في الفرص، ومتساوون في الكرامة. أما استمرار إنتاج التهميش، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع بأسماء وشعارات مختلفة.
إن كسر هذه الدائرة لا يبدأ بإسكات أصوات البنادق فحسب، بل بإعادة النظر في العلاقة بين الدولة والهامش. فالمجتمعات التي عانت من التهميش لا ينبغي أن تُستدعى فقط في أوقات الحرب، بل يجب أن تكون شريكًا كاملًا في صناعة القرار ورسم السياسات الوطنية. فالتنمية العادلة، والتعليم، والرعاية الصحية، وفرص العمل، والتمثيل المنصف لجميع السودانيين على أساس المواطنة والكفاءة، ليست مجرد مطالب خدمية، بل هي ركائز لبناء سلام مستدام ومنع عودة الصراع. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تنصفه وتحمي حقوقه وتكفل له فرصًا متساوية، تتراجع دوافع العنف، ويترسخ الإيمان بأن مستقبل السودان يُصنع بالحوار والمؤسسات، لا بالبندقية.
لن يكون الهامش وقودًا إلى الأبد. فالأجيال الجديدة أكثر وعيًا بحقوقها، وأكثر إدراكًا بأن مستقبلها لا يمكن أن يُبنى على البنادق وحدها. وما تحتاجه اليوم ليس دعوات جديدة إلى القتال، بل مشروع وطني جديد يجعل الإنسان السوداني، أيًا كان موطنه أو انتماؤه، غاية الدولة لا وسيلتها.
وعندما تتوقف الحرب، لن يكون السؤال من انتصر عسكريًا؟ بل سيكون السؤال الذي سيحاسب عليه التاريخ الجميع لماذا استغرق السودان كل هذا الوقت حتى يدرك أن أبناءه ليسوا وقودًا للصراعات، بل هم ثروته الحقيقية، ورأسماله الذي لا يُعوَّض، وأمله الوحيد في بناء وطن يسع الجميع؟




