رأي

شمال كردفان تكشف المستور: بين خطاب البرهان عن السلام ووقائع التصعيد على الأرض

م. عمار سعيد

 

م. عمار سعيد

الباحث في الشأن السياسي السوداني

في السياسة، يمكن للخطابات أن تُجمّل المواقف لبعض الوقت، ويمكن للمنابر الإعلامية أن تصنع روايات متماسكة في ظاهرها، لكن الميدان يظل هو الاختبار الحقيقي للنوايا. وما شهدته محاور شمال كردفان أخيراً، وفق القراءة السياسية لمؤيدي تحالف السودان التأسيسي، لم يكن مجرد تحرك عسكري عابر، وإنما لحظة كاشفة أعادت وضع خطاب قيادة الجيش عن السلام أمام امتحان جدي لا تنفع معه الشعارات ولا المناورات الإعلامية.

يرى مؤيدو هذا الطرح أن الهجوم المتزامن الذي شاركت فيه قوات الجيش والقوات المشتركة وقوات درع السودان على عدة محاور قد بعث برسالة واضحة مفادها أن قيادة الجيش ما زالت تراهن على توسيع الحرب، رغم حديثها المتكرر أمام المجتمع الدولي عن التهدئة والاستعداد للتفاوض.

فمنذ فترة، كانت أطراف دولية وإقليمية تتحرك من أجل خفض مستوى التصعيد في شمال كردفان، ولا سيما في محيط مدينة الأبيض، خشية اتساع العمليات العسكرية وانعكاساتها الخطيرة على المدنيين وعلى ما تبقى من فرص الحل السياسي. ووفق هذه القراءة، فقد تعرّض تحالف السودان التأسيسي لضغوط متكررة من أجل ضبط عملياته، وتقليل الضغط العسكري، وإتاحة مساحة للجهود السياسية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا فعلت قيادة الجيش بهذه الفرصة؟

بحسب مؤيدي التحالف، لم تتعامل قيادة عبد الفتاح البرهان مع التهدئة بوصفها مدخلاً نحو السلام، بل قرأتها باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب صفوف قواتها، وتحريك حلفائها، وتجهيز هجوم جديد. وهنا تكمن خطورة ما جرى؛ لأن التصعيد الأخير لا يُضعف فقط فرص الحل السياسي، وإنما يقدم دليلاً جديداً لمراقبي الأزمة على أن المشكلة لم تكن في غياب المبادرات، بل في غياب الإرادة الحقيقية للاستجابة لها.

لقد اعتادت قيادة الجيش، وفق هذه الرؤية، أن تتحدث بلسان السلام بينما تتحرك بأدوات الحرب. وفي كل مرة يقترب فيها المسار السياسي من فتح نافذة جدية، يظهر تصعيد عسكري جديد، أو شروط تعجيزية، أو خطاب يستبعد الطرف الآخر ويعيد البلاد إلى نقطة الصفر.

وهذا السلوك ليس جديداً، بل يراه منتقدو البرهان امتداداً لنمط متكرر من المماطلة السياسية: قبول المبادرات من حيث الشكل، ثم إفراغها من مضمونها؛ الحديث عن التفاوض، ثم وضع شروط مسبقة يستحيل معها الوصول إلى طاولة تفاوض حقيقية؛ وإعلان الرغبة في وقف الحرب، بالتزامن مع توسيع التحالفات العسكرية وتحريك القوات إلى محاور جديدة.

الأبيض بين الرواية الإنسانية والوظيفة العسكرية

تمثل مدينة الأبيض إحدى النقاط المركزية في هذا المشهد. فخطاب قيادة الجيش وحلفائها يقدم المدينة في كثير من الأحيان باعتبارها تجمعاً مدنياً ومركزاً لاستقبال النازحين، وهي حقيقة لا يمكن تجاهل جانبها الإنساني. غير أن مؤيدي تحالف السودان التأسيسي يرون أن هذه الرواية تُستخدم أحياناً لإخفاء الوظيفة العسكرية واللوجستية للمدينة.

فالأبيض، وفق هذا الطرح، ليست مجرد مدينة مدنية محاصرة وسط الحرب، بل تضم قيادة عسكرية ومراكز لإدارة العمليات، وتنطلق منها القوات والإمدادات نحو جبهات شمال كردفان. ولذلك يرى أصحاب هذه القراءة أن تصوير المدينة باعتبارها مساحة مدنية منفصلة تماماً عن النشاط العسكري لا يعكس الصورة الكاملة.

ومع ذلك، فإن وجود منشآت أو قيادات عسكرية داخل المدينة لا يسقط بأي حال الحماية القانونية عن سكانها. فالمدنيون لا يجوز أن يتحولوا إلى غطاء لأي نشاط عسكري، كما لا يجوز استهدافهم أو تعريضهم للخطر تحت أي مبرر. وتقع على جميع الأطراف مسؤولية التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان.

لكن الأخطر، بحسب منتقدي قيادة الجيش، هو أن توضع المنشآت العسكرية ومراكز القيادة والإمداد وسط التجمعات السكانية، ثم يُستدعى وجود المدنيين لاحقاً لتقديم المدينة كاملة باعتبارها هدفاً مدنياً محضاً. فهذه الممارسات، إن ثبتت، لا تحمي المدنيين، بل تجعلهم أكثر عرضة لمخاطر الحرب وتحول وجودهم إلى عنصر في المعركة السياسية والإعلامية

هجوم بدّل الرواية أمام المجتمع الدولي

من الناحية الاستراتيجية، يرى بعض المحللين المؤيدين لهذا الطرح أن الهجوم الأخير ربما حقق عكس ما أرادته قيادة الجيش. فبدلاً من أن يقدمها باعتبارها الطرف الذي يدافع عن مواقعه ويسعى إلى التهدئة، قد يكشفها أمام المجتمع الدولي بوصفها طرفاً ما زال مستعداً لفتح محاور جديدة وإشعال جولات إضافية من الحرب.

وهنا يصبح التصعيد خطأً سياسياً قبل أن يكون مغامرة عسكرية.

فالمجتمع الدولي لا يبني مواقفه فقط على البيانات، وإنما يراقب حركة القوات، ونوعية التحالفات، وتوقيت الهجمات، والجهة التي تبادر بتوسيع نطاق المواجهة. وإذا كانت هناك مساعٍ سابقة لخفض الضغط على الأبيض وشمال كردفان، فإن إطلاق هجوم واسع من المنطقة نفسها سيضعف الرواية القائلة إن قيادة الجيش كانت تنتظر السلام أو تهيئ له.

وبحسب هذه القراءة، فقد قدم البرهان وقادته بأنفسهم الحجة التي يحتاج إليها خصومهم: أن التهدئة من جانب واحد لا تصنع السلام، وأن خفض العمليات من طرف لا يعني بالضرورة أن الطرف الآخر سيتجاوب بالمثل، بل ربما يستغله لإعادة تنظيم قواته والتحضير لجولة جديدة.

«أطلقنا الرسن»… عبارة تتجاوز حدود الخطاب

في هذا السياق، جاءت عبارة الفريق أول محمد حمدان دقلو: «أطلقنا الرسن»، خلال مخاطبته جلسة مجلس الأمن والدفاع الطارئة.

ووفق تفسير مؤيدي تحالف السودان التأسيسي، فإن هذه العبارة لم تكن مجرد تعبير خطابي، بل رسالة ذات دلالات سياسية وعسكرية واسعة. فهي تعني، بحسب فهمهم، أن مرحلة ضبط العمليات والالتزام بالتهدئة غير المتبادلة قد وصلت إلى نهايتها، وأن التحالف لم يعد مستعداً لتحمل نتائج التصعيد المتكرر دون تغيير في طبيعة استجابته.

ويرى أصحاب هذا التفسير أن العبارة تحمل رسالة في أكثر من اتجاه: إلى القوات الموجودة في الميدان بأن القيود السابقة قد خُففت، وإلى قيادة الجيش بأن توسيع الحرب ستكون له كلفة، وإلى المجتمع الدولي بأن الضغط على طرف واحد من أجل التهدئة، مع غض الطرف عن تحركات الطرف الآخر، لا يمكن أن ينتج سلاماً مستداماً.

ومع ذلك، فإن خطورة هذه العبارة تكمن أيضاً في احتمالاتها. فإذا كانت تعني الانتقال إلى عمليات أكثر اتساعاً، فإن البلاد قد تكون أمام مرحلة أشد قسوة من الحرب، وهو ما يضع مسؤولية مضاعفة على القيادات العسكرية والسياسية من أجل حماية المدنيين ومنع تحول الردود العسكرية إلى حرب مفتوحة بلا ضوابط

هل وصل الصراع إلى نقطة التحول؟

استراتيجياً، قد تمثل معارك شمال كردفان نقطة تحول مهمة في مسار الحرب. فالمنطقة تربط بين عدة أقاليم ومحاور حيوية، والسيطرة على طرقها ومراكزها لا تحمل قيمة محلية فقط، وإنما تؤثر في خطوط الإمداد، وحركة القوات، والقدرة على الضغط على المدن والمواقع الاستراتيجية.

ويرى بعض المراقبين أن توسيع القتال في شمال كردفان قد يترتب عليه أحد مسارين:

إما أن يدفع نحو مواجهة أشمل، تتوسع معها العمليات إلى محاور جديدة وترتفع كلفتها البشرية والاقتصادية؛ وإما أن يؤدي اختلال التوازن الميداني الناتج عن هذه المعارك إلى إعادة الأطراف نحو التفاوض، ولكن بعد أن تكون البلاد قد دفعت ثمناً إضافياً كان من الممكن تجنبه.

ومن وجهة نظر مؤيدي تحالف السودان التأسيسي، فإن قيادة الجيش تتحمل المسؤولية السياسية الأساسية عن الوصول إلى هذه المرحلة، لأنها لم تستثمر فرص التهدئة، ولم تقدم تنازلات حقيقية لمصلحة السلام، وواصلت التعامل مع التفاوض باعتباره أداة لكسب الوقت لا مساراً جاداً لإنهاء الحرب.

المشكلة في قيادة البرهان، ليست فقط أنها تختار الحرب، وإنما أنها تستخدم حديث السلام لإدارة الحرب وإطالة أمدها. فكل مبادرة تصبح فرصة لشراء الوقت، وكل هدنة تتحول إلى مساحة لإعادة الانتشار، وكل دعوة دولية تُقابل بخطاب مرن في العلن وتحركات مناقضة على الأرض.

وهذا التناقض هو ما أفقد خطاب البرهان كثيراً من مصداقيته لدى قطاعات كبيرة من المراقبين. فلا يمكن لرجل يقود تحالفاً عسكرياً متزايدا، ويعيد تدوير المليشيات، ويفتح محاور القتال، أن يطالب الآخرين بتصديقه عندما يتحدث عن السلام، ما لم يقدم سلوكاً عملياً يثبت ذلك.

السلام لا يُقاس بعدد المرات التي تُذكر فيها كلمة التفاوض، بل بالقرارات التي تتخذ لوقف التصعيد. ولا يُثبت عبر المقابلات التلفزيونية، وإنما عبر وقف الهجمات، وحماية المدنيين، وتسهيل العمل الإنساني، وقبول مسار سياسي لا يقوم على الإقصاء ولا على شروط المنتصر.

لقد وضعت تطورات شمال كردفان الجميع أمام حقيقة لا يمكن الهروب منها: لا يمكن الاستمرار في مخاطبة المجتمع الدولي بلغة السلام، بينما تتحرك القوات بلغة الحرب.

ومن منظور مؤيدي تحالف السودان التأسيسي، فإن قيادة البرهان أهدرت فرصة جديدة لخفض التصعيد، وأثبتت أن خطابها السياسي يسير في اتجاه، بينما تسير تحركاتها العسكرية في اتجاه معاكس تماماً.

لكن المسؤولية لا تقف عند كشف هذا التناقض. فكل توسع جديد في الحرب سيضاعف معاناة المدنيين ويزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية. ولذلك فإن المطلوب من المجتمع الدولي ألا يكتفي بمطالبة طرف واحد بضبط النفس، بل أن يراقب سلوك جميع الأطراف، ويحدد بوضوح الجهة التي تبادر بالتصعيد، ويمارس ضغطاً حقيقياً على من يستخدم التفاوض غطاءً لإطالة الحرب.

لقد سقطت كثير من الأقنعة في شمال كردفان، وبات واضحاً، وفق هذه القراءة، أن الأزمة لم تكن يوماً في غياب فرص السلام، وإنما في وجود قيادة ترى في استمرار الحرب وسيلة للبقاء، وتتعامل مع كل فرصة للتهدئة باعتبارها محطة مؤقتة قبل إشعال جولة جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!