رأي

لندن في مرآة الأزمة السودانية: مغازلة “إرهابيي بورتسودان” وتكريس جغرافيا الحرب

أدهم الضهيب

 

أدهم الضهيب

في وقتٍ تئن فيه الدولة السودانية تحت وطأة حربٍ وجودية، وتتطلع جماهير الشعوب السودانية إلى مواقف دولية حاسمة تضع حداً للمأساة الإنسانية، تفاجئنا الدبلوماسية البريطانية بخرجاتٍ سياسية أقل ما توصف بها أنها تفتقر إلى النزاهة والموضوعية. البيان الأخير الصادر عن وزارة الخارجية البريطانية عبر صفحتها الرسمية، والذي طالبت فيه “قوات الدعم السريع” بعدم التقدم نحو مدينة الأبيض بدواعي وحجج واهية تتسربل بـ “حماية المدنيين وأمنهم”، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق التحيزات السياسية والمغازلات المبطنة التي تمارسها لندن لصالح سلطة الأمر الواقع في بورتسودان.

إن من يمتلك أدنى درجات الفطنة السياسية، ويتابع تفاصيل الحرب الدائرة الآن في السودان، يدرك تماماً طبيعة الصراع بين قوى التغيير وحكومة التأسيس والسلام من جهة، وبين “جماعات بورتسودان” الإرهابية والواجهات التابعة للحركة الإسلامية من جهة أخرى. بيد أن بريطانيا، وبدلاً من أن تدعم خيارات السلام الحقيقي، اختارت إعادة إنتاج خطاب مضلل يغض الطرف عن الحقيقة الشاخصة.

الفوارق الجوهرية وسلطة الأمر الواقع

لا يستوي الطرفان في ميزان الأخلاق السياسية والالتزام بالمواثيق؛ فهناك بون شاسع وفوارق جوهرية بين مشروعين في السودان اليوم:

مشروع حكومة السلام والتأسيس: يسعى حثيثاً لإنهاء المعاناة وفتح المسارات السياسية الديمقراطية.

سلطة الأمر الواقع (جبهة بورتسودان): تقود خطاً يرفض كل مساعي السلام، وتتمسك بخيار الحرب الشاملة للحفاظ على مكتسبات تنظيمية وتاريخية بائدة.

إن قادة هذه الجماعة في بورتسودان، والمنحدرين من عباءة الجبهة الإسلامية، يواجهون جملة من العقوبات الدولية الإقليمية التي ترقى ممارساتهم بموجبها إلى مصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ناهيك عن الملاحقات والمطالبات الصادرة بحقهم في أروقة المحكمة الجنائية الدولية، وهو أمر يعلمه القاصي والداني ولا ينكره إلا مكابر. ومع ذلك، نجد أن عدداً من المنظمات الأممية والجهات الدولية—وعلى رأسها الخارجية البريطانية—ما زالت تخضع للتأثير السياسي المباشر وغير المباشر لهذه الجماعة، متبنيةً روايتها المشروخة لتبرير مواقفها المتخاذلة.

تفكيك الحجة البريطانية: الأبيض كنموذج

إن المطالبة البريطانية لـ “قوات الدعم السريع” بعدم التقدم نحو مدينة الأبيض بذريعة الحفاظ على أمن المواطنين، هي قراءة قاصرة ومجتزأة للواقع الميداني، بل وتناقض صارخ مع مفهوم حماية المدنيين ذاته.

الحقيقة الميدانية: مدينة الأبيض لم تكن يوماً مجرد واحة للمدنيين في ظل سيطرة الجيش، بل تحولت إلى خط دفاع متقدم وثكنة عسكرية تنطلق منها الطائرات المسيرة الحربية (المسيرات) التي تقوم بأعمال وحشية، وتقصف الأحياء السكنية والقرى المحيطة بلا هوادة.

هذا بخلاف الممارسات والانتهاكات الممنهجة التي يرتكبها الجيش الإرهابي هناك ضد المواطنين العزل على أساس الهوية أو الموقف السياسي. من هنا تتضح المفارقة الصارخة: بريطانيا بإصدارها هذا البيان لا تحمي المدنيين، بل تحمي “خط الدفاع” التابع للجيش الارهابي، وتوفر غطاءً سياسياً لاستمرار القصف الجوي والعمليات العسكرية ضد الأبرياء.

التواطؤ الخفي والأيادي الميسرة داخل المملكة المتحدة

إن المسألة لا تتوقف عند حدود البيانات الصحفية العابرة، بل تمتد إلى ما هو أعمق وأخطر. حيث تشير وتكشف العديد من التقارير الاستخباراتية والإعلامية المؤكدة عن وجود سلوك مهادن، بل وأيادٍ خفية وشبكات مصالح تتحرك بحرية داخل المملكة المتحدة، تقوم بتيسير أعمال هذه الجماعات الإرهابية وإمدادها بالدعم بشكل غير مباشر لندن تختار عمداً تجاهل الحقيقة الكبرى التي تقول: إن إيقاف الحرب بشكل شامل وعادل هو الحل الوحيد للأزمة السودانية، وليس الإدانات الموجهة والمصممة خصيصاً لحماية مواقع عسكرية تدار منها العمليات الحربية مثل الأبيض. إن هذه السياسة البريطانية لا تعدو كونها كسباً للوقت لصالح طرف يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومحاولة بائسة لعرقلة تقدم القوى التي تسعى لإنهاء سلطة العسكر والفلول.

غياب الرؤية الحقيقية والمطلوب من الحلفاء

إن هذه المواقف الملتوية تدق ناقوس الخطر، وتستدعي وقفة جادة من المجتمع الدولي. يتوجب على الحلفاء الدوليين، ومنظمات الأمم المتحدة، وجميع شركاء السلام الإقليميين والدوليين، النظر في قضايا السلام في السودان بعين فاحصة وعادلة، لا بعين ترى طرفاً وتغمض الأخرى تلبيةً لمصالح جيوسياسية ضيقة.

إن غياب الصورة الحقيقية للأزمة، أو التغابي عنها، يعقد المشهد ويزيد من إراقة دماء السودانيين. وبدلاً من إطلاق البيانات الإدانية الموجهة التي تفوح منها رائحة الانحياز، يتعين على المجتمع الدولي بذل جهود حقيقية وملموسة للضغط على جماعة بورتسودان وحثها على الانصياع لإرادة السلام، بدلاً من مغازلتها وإعطائها صكوك الغفران السياسية.

إن محاولات اللوبيهات داخل المنظمات التي تسعى تغييب الواقع و مستمرة في مغازلة الإرهابيين والفلول في بورتسودان لن تغير من حتمية التاريخ، ولن تفلح في إطالة عمر نظام تسبب في تمزيق البلاد. إن الشعوب السودانية وقواها الحية والابطال الاشاوس الذين يقاتلون من أجل تأسيس دولة جديدة على قيم العدالة والسلام والديمقراطية، قادرون على فرز المواقف، ومعرفة الصديق من المتربص والمغازل. لقد حان الوقت لتدرك لندن أن وقت اللعب على حبال الأزمة السودانية قد مضى بلا رجعة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!