رأي

السطو على الذاكرة السودانية: من يملك حق كتابة تاريخ الوطن؟

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

ليست معركة السودان اليوم معركة سياسية فقط حول السلطة والثروة، بل هي أيضاً معركة عميقة حول الذاكرة والتاريخ والهوية. فالأمم لا تفقد حاضرها فقط عندما تفشل في إدارة أزماتها، بل قد تفقد مستقبلها عندما يُعاد تشكيل ماضيها وفق رؤية فئة واحدة، وعندما تصبح كتابة التاريخ امتيازاً للنخب بدلاً من أن تكون حقاً لكل الذين صنعوه.

إن السطو على الذاكرة السودانية لا يعني فقط إخفاء وثيقة أو تجاهل حدث، بل يعني السيطرة على طريقة فهم السودانيين لأنفسهم. فمن يملك القدرة على كتابة التاريخ يمتلك قدرة على تحديد من يكون في قلب الرواية الوطنية ومن يبقى خارجها، ومن يُقدَّم باعتباره صانعاً للأحداث ومن يُختزل دوره إلى هامش لا يُرى.

لقد عاش السودان تاريخاً غنياً بالتنوع الحضاري والثقافي والاجتماعي، من حضاراته القديمة إلى ممالك العصور الوسطى، ومن تجارب المقاومة الوطنية إلى التحولات السياسية والاجتماعية الحديثة. غير أن هذا التاريخ لم يُكتب دائماً بصورة تعكس كل مكونات المجتمع السوداني، بل خضع في مراحل عديدة لتأثير موازين القوة السياسية والثقافية والتعليمية.

كان الذين امتلكوا فرص التعليم والقدرة على القراءة والكتابة والنشر هم الأكثر حضوراً في تسجيل التاريخ وتفسيره. وقد أدى ذلك إلى بروز دور كبير للنخب المؤرخة والثقافية في تشكيل الذاكرة العامة. ولا شك أن عدداً كبيراً من المؤرخين السودانيين قدموا إسهامات مهمة في حفظ الوثائق ودراسة الماضي، لكن المشكلة تكمن في أن أدوات إنتاج المعرفة ظلت لفترات طويلة محصورة في دوائر اجتماعية محددة، بينما بقيت قطاعات واسعة من الشعب السوداني حاضرة في صناعة الأحداث وغائبة عن صفحات التاريخ.

فالمزارع الذي شارك في تحولات مجتمعه، والعامل الذي ساهم في بناء الدولة، والمرأة التي حفظت ذاكرة الأسرة والمجتمع، وسكان المناطق البعيدة عن مراكز التعليم، جميعهم كانوا جزءاً من التاريخ السوداني، لكن كثيراً من تجاربهم لم تجد طريقها إلى الرواية المكتوبة. لم يكن غيابهم بسبب غياب الفعل التاريخي، بل بسبب غياب الأدوات التي تسمح لهم بتسجيل هذا الفعل.

إن التاريخ الذي يكتبه أصحاب القلم وحدهم قد يكون تاريخاً مهماً، لكنه لا يصبح تاريخاً كاملاً إلا عندما يستمع إلى أصوات الذين عاشوا الأحداث ولم يمتلكوا وسائل توثيقها.

لقد ارتبطت أزمة الذاكرة السودانية أيضاً بمشكلة المركز والهامش؛ فالمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية التي أنتجت المعرفة التاريخية كانت متركزة في مناطق محددة، الأمر الذي جعل بعض الروايات أكثر انتشاراً وحضوراً من غيرها. وهكذا ظهرت فجوة بين السودان الذي عاشه الناس في مختلف الأقاليم وبين السودان الذي ظهر في الكتب والمناهج والخطاب الرسمي.

إن اختزال تاريخ السودان في رواية واحدة أضعف فكرة الوطن المشترك، لأن الوطن لا يُبنى بإعطاء مجموعة واحدة حق الحديث نيابة عن الجميع، بل بالاعتراف بأن كل مكونات المجتمع شاركت في صناعة التجربة الوطنية.

كما أن بعض النخب السياسية استخدمت التاريخ أحياناً كأداة لإنتاج الشرعية، فتم اختيار رموز معينة لتكون عنواناً للوطن، بينما تم تجاهل رموز وتجارب أخرى. وهنا تحولت الذاكرة من مساحة للتعلم إلى ساحة للصراع، وأصبح النسيان أحياناً وسيلة سياسية لإبعاد أسئلة محرجة عن الماضي.

لكن نقد هذا الواقع لا يعني رفض المؤرخين أو إنكار دورهم، بل يعني الدعوة إلى تحرير التاريخ من الاحتكار. فالمؤرخ الحقيقي لا يخشى تعدد المصادر، ولا يخشى مواجهة الروايات المختلفة، لأن مهمة التاريخ ليست الدفاع عن سلطة أو جماعة، بل البحث عن الحقيقة بكل تعقيداتها.

إن إعادة كتابة التاريخ السوداني أصبحت ضرورة، ليس لأنها تريد هدم ما كُتب سابقاً، بل لأنها تريد توسيع دائرة المعرفة لتشمل كل الأصوات التي غابت. فالتاريخ لا يجب أن يكون حكراً على من تعلموا الكتابة قبل غيرهم، بل يجب أن يكون مساحة يلتقي فيها الباحث الأكاديمي مع الذاكرة الشعبية، والوثيقة المكتوبة مع الشهادة الحية.

إن الثقافة السودانية نفسها تعرضت لهذا النوع من التهميش عندما جرى أحياناً التعامل مع هوية البلاد وكأنها نموذج واحد، بينما السودان في حقيقته وطن متعدد اللغات والثقافات والتجارب. فاللغات المحلية، والفنون، والأغاني، والحكايات الشعبية، والعادات الاجتماعية ليست عناصر هامشية، بل هي أرشيف حي يحمل تاريخ شعب كامل.

إن استعادة الذاكرة السودانية ليست انتقاماً من الماضي، وليست استبدال هيمنة بأخرى، بل هي مشروع للعدالة التاريخية. العدالة التي تعترف بأن الذين لم يكتبوا الكتب كانوا أيضاً صانعي تاريخ، وأن الذين لم يظهروا في الروايات الرسمية كانوا جزءاً أساسياً من بناء الوطن.

السودان يحتاج اليوم إلى مصالحة مع ذاكرته، وإلى تاريخ أكثر شمولاً وعدلاً، تاريخ لا يُكتب من فوق رؤوس الناس، بل معهم. فالأوطان لا تنهض بذاكرة ناقصة، ولا تبني مستقبلاً مستقراً على رواية واحدة.

إن معركة الذاكرة هي في جوهرها معركة على معنى السودان نفسه؛ هل يكون وطناً تكتبه فئة محددة، أم وطناً يشارك الجميع في رواية قصته؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط كيف نفهم الماضي، بل كيف نبني المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!