رأي

11 أبريل… حين كسر الشعب جدار الخوف

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

في مثل هذا اليوم، 11 أبريل، لم يكن السودانيون يحتفلون فقط بسقوط رأس نظام، بل بانهيار منظومة حكمٍ ظنّت أن السلطة قدر أبدي لا يُكسر. سقط عمر البشير تحت ضغط الشارع، بعد ثلاثين عاماً من حكمٍ قام على القمع، وتسييس الدولة، وتفكيك المجتمع لصالح شبكة ضيقة من الإسلامويين الذين احتكروا الوطن والقرار والثروة.

خرج الشعب بكل فئاته، مدناً وأريافاً، شباباً ونساءً وكهولاً، في واحدة من أعظم الثورات في التاريخ السوداني الحديث. لم تكن ثورة نخبة أو حزب، بل لحظة وعي جماعي أدرك فيها السودانيون أن الصمت الطويل لم يكن رضاً، بل خوفاً مؤجلاً انفجر دفعة واحدة.

العالم شاهد شعباً أعزل يهزم نظاماً أمنياً متجذراً، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة. لكن ما لم يدركه كثيرون في لحظة الفرح، أن المنظومة التي سقط رأسها لم تسقط بالكامل. الإسلامويون لم ينظروا إلى 11 أبريل كهزيمة نهائية، بل كمعركة خسروا جولتها الأولى فقط. لذلك أعادوا التموضع داخل مؤسسات الدولة، واستثمروا في الفوضى، والإعلام المضلل، والانقسامات السياسية، انتظاراً لفرصة العودة.

منذ ذلك اليوم، بدأت حرب أخرى أقل وضوحاً من المواجهة في الشوارع: حرب على الوعي. جرى تصوير الثورة كفوضى، والمدنية كضعف، والديمقراطية كترف غير ممكن. حاولت ماكينة الدعاية إعادة إنتاج الجلاد بطلاً، وإقناع الناس أن الاستبداد ضرورة للاستقرار. لكن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية: الشعب لم يصمت يوماً اقتناعاً، بل أُجبر على الصمت بالقوة.

11 أبريل ليس ذكرى عابرة، بل مرآة تعكس طبيعة الشعب السوداني؛ شعب قد يتأخر، لكنه لا يستسلم. التجربة أثبتت أن الخوف ليس حالة دائمة، وأن موجة الوعي حين ترتفع تجرف أعتى الأنظمة. لذلك فإن أي انتصار إعلامي للإسلامويين يظل مؤقتاً، لأن الشرعية لا تُصنع عبر الضجيج، بل عبر قبول الناس، وهذا ما فقدوه منذ لحظة خروج الجماهير إلى الشوارع.

حتى في ظل الحروب ومحاولات إغراق البلاد في الفوضى، يظل صوت الشعب حاضراً. الرهان على إنهاك السودانيين أو إسكاتهم وسط دخان المعارك رهان خاسر؛ فالثورة لم تكن حدثاً عابراً، بل تحوّلاً عميقاً في الوعي السياسي والاجتماعي.

في ذكرى 11 أبريل، لا المطلوب البكاء على ما تعثر، ولا الاكتفاء باستعادة مشاهد الانتصار، بل قراءة الدرس الأساسي: الثورة تنتصر حين تتوحد قواها المدنية، وتخسر حين تتفرق. الطريق إلى المستقبل يبدأ بإعادة بناء الصف الثوري على أساس واضح لا مساومة فيه مع الاستبداد.

إن أهداف الثورة ما زالت حية: حرية، سلام، وعدالة.

والمدنية تظل خيار الشعب، لا شعار مرحلة.

فلنستعد من جديد، لا بالغضب وحده، بل بالتنظيم، وتوحيد الصف، واستعادة روح الشارع التي أسقطت الطغيان مرة، وقادرة على اقتلاعه مرة أخرى. لأن شعباً كسر الخوف في 11 أبريل، لن يقبل أن يعيش تحته مرة ثانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!