
نجوي بابو
ليست قوة الدولة فيما تملكه من موارد طبيعية، ولا فيما تمتلكه من مؤسسات أو أدوات سلطة، وإنما في قدرتها على معرفة مجتمعها وإدارة هذه المعرفة وفق القانون. فالدولة التي لا تعرف عدد سكانها، ولا خصائصهم الديموغرافية، ولا توزيعهم الجغرافي، تجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ قرارات تقوم على التقدير أكثر مما تقوم على الدليل، وهو ما ينعكس على كفاءة السياسات العامة وعدالة توزيع الموارد.
التعداد السكاني ليس إجراءً إحصائيًا محضًا، بل هو أحد أهم تعبيرات الدولة الحديثة. فالإحصاء في الفكر السياسي المعاصر ليس مجرد جمع للأرقام، بل هو وسيلة لتحويل المجتمع من موضوع للتخمين إلى موضوع للمعرفة العلمية، ومن ثم إلى أساس للتخطيط والمساءلة.
في المراحل الانتقالية تزداد أهمية هذه المعرفة. فالحكومات الانتقالية لا تواجه فقط تحدي إدارة الحاضر، بل تتحمل مسؤولية إعادة تأسيس الدولة على قواعد أكثر عدالة وكفاءة. ولا يمكن تحقيق ذلك إذا كانت القرارات تُبنى على بيانات قديمة أو غير مكتملة، أو إذا كانت الفجوة بين الواقع وما تعكسه المعلومات الرسمية واسعة.
ومن منظور دستوري، لا تقتصر المساواة على النصوص، بل تمتد إلى كيفية توزيع الخدمات العامة والفرص والموارد. فكل مدرسة تُبنى، وكل مستشفى يُنشأ، وكل طريق يُعبد، وكل برنامج للحماية الاجتماعية، يعتمد في النهاية على تقدير عدد المستفيدين وخصائصهم واحتياجاتهم. وكلما كانت هذه التقديرات أقرب إلى الواقع، كانت السياسات العامة أكثر عدالة وفاعلية.
ولعل أهم ما يقدمه التعداد السكاني هو أنه يعيد الإنسان إلى مركز عملية التخطيط. فالطفل لا يُنظر إليه باعتباره رقمًا، وإنما باعتباره مشروع مواطن يحتاج إلى تعليم ورعاية صحية وحماية. والشاب لا يُنظر إليه باعتباره مجرد نسبة في الإحصاءات، بل باعتباره طاقة إنتاج وابتكار ومشاركة في التنمية. وكبار السن ليسوا عبئًا ديموغرافيًا، بل مواطنون لهم حقوق في الرعاية والخدمات والعيش الكريم.
الدولة التي تعرف تركيبتها السكانية تستطيع أن تضع سياسات تعليمية أكثر دقة، وأن تخطط لسوق العمل بواقعية، وأن تستعد للتحولات الديموغرافية قبل أن تتحول إلى أزمات. كما تستطيع أن تقيس أثر سياساتها، وأن تراجعها عندما تكشف البيانات عن قصور أو تفاوت بين المناطق أو الفئات السكانية.
نجاح حكومة السلام والوحدة الانتقالية لن يُقاس فقط بقدرتها على إدارة التوافق السياسي، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء مؤسسات تُنتج المعرفة وتستند إليها. فالسلام الدائم يحتاج إلى إدارة عامة كفؤة، والإدارة الكفؤة تحتاج إلى بيانات موثوقة، والبيانات الموثوقة تبدأ بتعداد سكاني شامل، مستقل، وشفاف.
لقد أشار الفيلسوف جون رولز إلى أن عدالة المؤسسات تُقاس بقدرتها على خدمة جميع أفراد المجتمع وفق قواعد منصفة، بينما ربط ماكس فيبر الدولة الحديثة بالإدارة العقلانية القائمة على التنظيم والمعرفة. ويقودنا هذان التصوران إلى نتيجة واحدة: لا يمكن أن تتحقق العدالة أو الكفاءة من دون معرفة دقيقة بالمجتمع الذي تُدار شؤونه.
ولا ينبغي النظر إلى التعداد السكاني باعتباره مشروعًا يخص جهاز الإحصاء وحده، بل باعتباره مشروعًا وطنيًا تتقاطع عنده السياسة والقانون والاقتصاد والإدارة العامة. فهو الأداة التي تمنح الدولة القدرة على الانتقال من إدارة ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن معالجة الأزمات إلى الوقاية منها.
إن الدول التي نجحت في بناء مؤسسات قوية لم تحقق ذلك لأنها كانت أكثر ثراءً، بل لأنها جعلت المعرفة أساسًا للحكم. فالإحصاء ليس ترفًا بيروقراطيًا، بل هو البنية التحتية غير المرئية لكل سياسة عامة ناجحة، وهو اللغة التي تتحدث بها الدولة مع نفسها قبل أن تتحدث إلى العالم.
التعداد السكاني ليس سؤالًا عن عدد السكان فحسب، بل هو سؤال عن طبيعة الدولة التي نريد بناءها: هل نريد دولة تُدار بالتقدير، أم دولة تُدار بالدليل؟ وهل نريد تنمية تُوزع وفق النفوذ والافتراض، أم وفق الاحتياج والعدالة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تبدأ من قرار بسيط في ظاهره، عظيم في أثره: أن تعرف الدولة شعبها معرفة دقيقة، وأن تجعل من هذه المعرفة أساسًا لكل سياسة عامة، ولكل مشروع سلام، ولكل خطة تنمية.




