رأي

عقلية السيد : السودان والتأخير

الكجنكي يكتب !!

 

الكجنكي يكتب !!

(إن ثقل التاريخ وحمولة القداسة، إن لم يُستوعَبا بنقدٍ ووعي، قد يتحولان من مصدرٍ للإشعاع الحضاري إلى قيدٍ يكبّل حركة المستقبل.) الكجنكي

في قراءة الفلسفة التاريخية للمجتمعات يُشكل السودان حالة فريدة لمزيجٍ متداخل من القدم الحضاري والمركزية الروحية…

فباعتباره أرضاً شهدت بدايات الوجود الإنساني الأول، ومسرحاً لمهد الرسالات ومستقراً لحركات الأنبياء كما تؤكد الروايات والقراءات التاريخية حول وجود الانبياء منذ نوح وحتي موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام في هذه الرقعة تراكمت في المخيال الجمعي السوداني قيمٌ وموروثات قد تكون الأقدم في التاريخ البشري.

غير أن هذا التراكم الروحي، وبدلاً من أن يكون دافعاً لبناء دولة المؤسسات والنهضة، أفرز بنية اجتماعية ونفسية معقدة يمكن تشخيصها بعقلية السيد،،وهي العقلية التي تفسر جانباً عميقاً من أسباب التأخير الحضاري والانسداد السياسي….

فأسبقية الموروث وتجذّر القداسة..صنعت جداراً يعيق حركة التقدم والتحرر حيث تُشير القراءة العميقة للبنية الثقافية السودانية إلى أن استقرار القيم الإبراهيمية والتوحيدية المبكرة في هذه الأرض لم يكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل شكل (الجينوم)الثقافي للشخصية السودانية…

إن الشعور الضمني بالأسبقية التاريخية والارتباط المباشر بالبدايات الأولى غرس في الوعي الجمعي إحساساً فطرياً بالاكتفاء والامتلاء الروحي…

هذا الامتلاء جعل المجتمع يتعامل مع القيم الأخلاقية والدينية ليس كأدوات للتطور والتغير الاجتماعي المستمر، بل كممتلكات تاريخية ثابته تُورّث عبر الأجيال، مما أدى إلى تغليب منطق الحفاظ على الموروث على حساب التجديد والعمران…

تشكّل عقلية السيد والبحث عن السلطة المطلقة فقد أدى التراكم التاريخي للرسالات إلى ولادة إشكالية سيكولوجية داخل المجتمع السوداني، تمثلت في الارتهان لمفهوم السيادة…وقد انعكست هذه العقلية في تمظهر الاحتياج الدائم للرمزية (البحث عن السيد)على الرغم من الشعور الداخلي بالتعالي التاريخي، إلا أن المجتمع ظل يبحث عن سيد يجسد السلطة المطلقة، سواء كان هذا السيد رمزاً دينياً طائفياً، أو زعيماً قبلياً، أو حتى سلطة مستعمر أجنبي. لقد تم إسقاط عبء التفكير والقيادة على هذا السيد،،مما أضعف روح المبادرة الفردية والمسؤولية الجمعية.

كما أسهمت هذه الروح في شرعنة التبعية للمستعمر حتي يومنا هذا فعندما دخل المستعمر الأجنبي، وجد بنية ذهنية مستعدة للتعامل مع مفهوم السيد القوي،،فتم التعاطي معه في كثير من الأحيان وفق أدبيات التراتبية السلطوية القائمة، بدلاً من تفكيك المنظومة الاستعمارية وبناء بديل وطني يتجاوز مفهوم السيد والتابع…

التعددية في الرسالات في موضع كبير وبقاع متشاركة وتكريس عقلية الاحتكار والاستحواذ وتجسد الرسالات السماوية والإشراقات الروحية في مواضع بؤرية مختلفة داخل الجغرافيا السودانية، لم يُستغل للأسف في بناء تنوعٍ متكامل، بل تحول إلى صراع على احتكار القداسة

فبرز الاحتكار الفئوي حيث تسابقت المجموعات الاجتماعية والطرقية والقبيلية للاستحواذ على النفوذ الروحي، واعتبرت كل مجموعة نفسها الحارس الوحيد للحق التاريخي والسيادة…

وانتشرت ثقافة الاستحواذ فأصبحت النزعة للاستحواذ والسيطرة شيمة أساسية للمجتمعات المحلية حيث أضحي يُقاس نفوذ الفئة بمقدار ما تحتكره من رمزية دينية أو سياسية، وليس بمقدار ما تقدمه من إنتاج معرفي أو مادي…

والمفارقة الكبرى.. في تصدير الرسالة وتأخر المركز وهنا الطبيعي لذا تكمن المفارقة التاريخية المؤلمة في المقارنة بين المسار المحلي للسودان والمسار العالمي…

حيث تكمن المفارقة الكبرى في التباين الجوهري بين طريقة تعاطي السودان (كبؤرة ومركز أصيل لهذه الرسالات) وطبيعة تعاطي العالم الذي استقبلها..

في طبيعة التعاطي،،،ارتهن الواقع السوداني لحمولة الماضي وانشغل بشكلانية التملك والانتماء الصوري للقيم،،، في حين اتجه العالم نحو تجريد تلك القيم والأفكار، وتحويلها إلى مبادئ إنسانية عامة ومناهج عمل قابلة للتطبيق والعيش…

وهذا الاختلاف أنتج نتائج اجتماعية متباينة تماماً..إذ أدى الاكتفاء بالرمزية في السودان إلى تكريس التراتبية الفئوية، وتعزيز عقلية الاحتكار والاستحواذ على النفوذ والقداسة…

وفي المقابل أثمر التعاطي العالمي الوظيفي مع هذه المبادئ عن بناء دولة المؤسسات، وتحقيق قدر أعلى من العدالة الاجتماعية، والترقي الحضاري المستمر.

أما على مستوى المسار التاريخي، فقد قاد الانشغال بعقدة (ملكية الأصل) المجتمع إلى الدوران في حلقة مفرغة والتأخر البنيوي عن العصر، بينما استطاع العالم عبر تمثّل روح الرسالات وليس شكلها العبور والانطلاق نحو آفاق النهضة والتطور…

لقد عَبَر العالم نحو الحداثة لأنه استقبل المبادئ والرسالات كأفكار ومناهج عمل تحرره من القيود، في حين ظل السودان مكبلاً بعقدة مركز الوجود حيث شغلت النزاعات حول السيادة والاستحواذ الطاقات المجتمعية عن التفكير الفعلي في بناء الدولة الحديثة…

من وهم السيادة إلى أفق المواطنة خطي يجب أن نمشيها فإن التأخير الذي يعانيه السودان ليس وليد مصادفة سياسية أو فقر في الموارد، بل هو نتيجة مباشرة للارتهان لعقلية السيد والتقوقع داخل حمولة القداسة التاريخية دون استثمارها…

إن الفكاك من هذا الفخ الحضاري يتطلب جراحة فكرية عميقة؛ تُفكك عقلية الاحتكار والاستحواذ، وتستبدل البحث عن (السيد) بالبحث عن (المؤسسة)،، وتحول الموروث التاريخي من صك ملكية يُستخدم للتعالي إلى طاقة أخلاقية تُستثمر في البناء، والمواطنة، وصناعة المستقبل…

والذي يثير الدهشة أن المجتمع في أصله ينكر في بعض حين الحمولة التاريخية والمركزية للعالم فيما خلي رسالة موسي تجده يستبرئ وينكر مهاجماً دون تشخيص واقعي لممارسات المجتمع والفئات الأخرى ولعل في تجربة الإسلام السياسي انعكاس لهذا الواقع ،،،

لذا فلنجرب جراحة دقيقة لعطب يلم بجسد السودان وننطلق للتأسيس،،

وسيقتلعون ورب بكة في النيل الأزرق،،

سيقتلعون ،،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!