
سمية النور دهب..دبلن
ما يقدمه أمجد فريد من طرح سياسي لا يمكن اعتباره اجتهاداً خاطئاً فحسب، بل هو خطاب منحاز بوضوح لمعسكر الردّة، يعيد إنتاج رواية الحركة الإسلاموية عن حرب 15 أبريل 2023م، ويتجاهل عن عمد جذورها الحقيقية: حربٌ شُنّت لتصفية ثورة ديسمبر، لا لحماية الدولة ولا المدنيين.
حديثه المتكرر عن “خروج قوات الدعم السريع من المناطق المدنية وتسليم سلاحها” ليس موقفاً مبدئياً ضد العنف، بل تعبير عن قراءة مشوّهة للصراع، تتجاهل حقيقة أساسية: قوات الدعم السريع حُوربت لأنها انحازت لمسار الثورة، ووقفت ضد عودة الإسلامويين للسلطة. هذه الحقيقة هي ما يسعى أمجد فريد ومن يشبهه إلى طمسها، لأنها تفضح طبيعة الحرب وأطرافها الحقيقية.
الإسلامويون لم يشعلوا هذه الحرب بدافع حماية السيادة، بل لأنهم فقدوا السيطرة على أدواتهم التقليدية داخل الدولة، وفي مقدمتها الجيش المختطف. وعندما فشلت محاولات الاحتواء والتوظيف، كان الخيار هو الحرب المفتوحة لإعادة فرض الهيمنة. في هذا السياق، يصبح استهداف الدعم السريع جزءاً من معركة سياسية أشمل ضد كل ما يمت بصلة لثورة ديسمبر.
ما يتجاهله أمجد فريد عمداً أن قوات الدعم السريع لا تستند فقط إلى قوة عسكرية، بل تتكئ على قواعد جماهيرية عريضة تشكّلت عبر سنوات من الصراع الاجتماعي والسياسي، خصوصاً في الأقاليم التي ذاقت ويلات التهميش والقتل المنهجي على يد جيش ظل، لعقود، موجهاً سلاحه ضد الشعوب السودانية لا ضد أعدائها. من يتجاهل هذا البعد الاجتماعي، ويفترض إمكان “استسلام” هذه القوة ببساطة، إنما يكشف عن جهل عميق بتركيبة المجتمع والدولة.
الأخطر في خطاب أمجد فريد أنه يعيد تلميع صورة جيشٍ ارتبط اسمه، تاريخياً، بالقمع، والقتل، ونهب الموارد، والارتهان للخارج. هذا الجيش لم يكن يوماً مؤسسة وطنية خالصة، بل مخلب قط لتدخلات إقليمية، وعلى رأسها التدخل المصري السافر في الشأن السوداني، والتآمر المستمر على إرادة الشعوب السودانية، سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
التغاضي عن هذا الدور، وتقديم الجيش بوصفه “حلاً” للأزمة، هو قفز فوق تاريخ طويل من الدم والفساد. وهو ما يفعله أمجد فريد حين يتحدث بلغة تقنية باردة عن “تسليم السلاح”، دون أن يتطرق إلى سؤال: لمن؟ وتحت أي سلطة؟ وبأي ضمانات؟ وهل هذه المؤسسة مؤهلة أخلاقياً وسياسياً لإدارة مستقبل السودان؟
إن اختزال الصراع في معادلات سطحية يخدم فقط قوى الردّة، التي تسعى لإعادة إنتاج دولة ما قبل ديسمبر، دولة الامتيازات والولاءات، ونهب الثروات باسم السيادة. وأي خطاب يتماهى مع هذا المشروع، حتى وإن تزين بمفردات “المدنية” و“الواقعية”، هو خطاب مضاد للثورة.
الثورة السودانية لم تكن حدثاً عابراً، بل تحوّلاً عميقاً في وعي الجماهير، وهذه الجماهير تدرك جيداً من يقف مع مطالبها، ومن يحاول الالتفاف عليها. لذلك فإن الرهان على تسويق خطاب مُعاد تدويره، يتجاهل جذور الأزمة ويبرّئ الجناة، رهان خاسر مهما ارتفع صوته في المنصات.
المدنية ليست موقفاً انتقائياً، ولا لغة رمادية.
المدنية انحياز واضح لإرادة الشعوب ضد الاستبداد،
وضد الجيوش المختطفة،
وضد قوى الردّة… مهما تغيّرت أقنعتها.




