رأي

البرهان ونظرية القيادة بالفوضى قراءة في منطق تسليح المدنيين وانهيار الدولة

عباس احمد السخي

في خضم مشهد بالغ التعقيد، خرج علينا والي الخرطوم بتصريحات تبعث في الخوف والهلع، وهي في جوهرها تدق ناقوس الخطر. مع انه أكد أن العاصمة باتت آمنة تماماً. غير أن الأكثر إثارة للقلق كان عزمه على تشكيل لجان أمن مجتمعية مسلحة من أجل حماية مناطقهم ومساكنهم، والدولة تساهم بتوزيع السلاح لهؤلاء المدنيين.

هنا، تقف الدولة على حافة نفي ذاتها. فالدولة، حسب التعريف السياسي والقانوني، هي الجهة الوحيدة التي تحتكر العنف المشروع. بمعنى أن من صميم وظائفها احتكار أدوات الضبط الأمني، من سلاح وقانون وقوة قسرية، لضمان حماية النظام العام وحقوق الأفراد. وأي تفريط في هذا الاحتكار – بتوزيع السلاح أو تفويض الضبط الأمني إلى جهات غير نظامية – إنما هو إعلان عملي عن انهيار الدولة كمفهوم، وفتح الباب على مصراعيه أمام الجريمة المقننة.

هذا التوصيف ليس نبوءة، بل واقع معاش. خذ مثلاً ما يحدث في مدينة ود مدني، حيث تسيطر على المشهد تشكيلات مسلحة متعددة؛ مليشيا البراءون، مليشيا كيكل، مليشيات الحركات المسلحة، وحتى مجموعات تنتمي للتيغراي. تمارس هذه التشكيلات إرهابها على المواطنين تحت لافتة الدولة، وبسلاحها وعتادها. الأدهى من ذلك، أنها تدير سجوناً خاصة، أبرزها السجن الكبير الذي تشرف عليه مليشيا البراء. هذا السجن، بحسب مصادر متعددة، يُحتجز فيه المواطنون تعسفاً. وهنا تقف جريمة اختفاء الصحفي عطاف في مدينة بورتسودان شاهدا على مدى الفوضى التى يرغب البرهان وجماعته في بثها في اروقة البلاد.

 

أما الخرطوم، التي تحدث عنها الوالي بكثير من الارتياح، فهي اليوم مرآة لانهيار شامل. فمنذ انسحاب قوات الدعم السريع، تحولت مدن العاصمة الثلاث – الخرطوم، بحري، وأم درمان – إلى فضاء مفتوح للفوضى والمخدرات والنهب المسلح. حادثة الأسرة في الثورة الحارة العاشرة، والتي راح ضحيتها الأب وابنه بينما جُرحت الأم وإحدى البنات، ليست إلا واحدة من عشرات الحالات التي تعكس انهيار القانون وتفشي العنف المنزلي والمسلح.

 

والآن، عوضاً عن تعزيز جهاز الشرطة أو إعادة بناء منظومة أمنية محترفة وموحدة، تقترح الحكومة – ممثلة في والي الخرطوم – تسليح المواطنين. هذا القرار لا يحمل سوى تفسير واحد: الاستسلام التام لفكرة الدولة الفاشلة، بل وتثبيت مبدأ الفوضى كأداة حكم.

 

بعبارة أوضح، نحن أمام نسخة محلية من ما يمكن تسميته بـ”نظرية القيادة بالفوضى”، وهي منهج سلطوي يعمل على خلق فوضى أمنية مدروسة تبرر استمرار عسكرة الدولة وتفتيت المجتمع. ومن المعروف أن الأنظمة الشمولية غالباً ما تستخدم هذه الفوضى الموجهة لتبرير القمع، وتقويض أي مشروع مدني بديل، وتشويه صورة الثورة والثوار.

 

لكن الأخطر من كل ذلك أن تسليح لجان الأحياء – تحت مسمى “اللجان المجتمعية” – سيفتح باب الاحتراب الداخلي، حيث ستنشأ ولاءات محلية متباينة، وقد تستخدم هذه اللجان السلاح في تصفية حسابات سياسية أو اجتماعية أو حتى قبلية. والأسئلة الملحة هنا:

من يملك القرار؟ من يضبط إطلاق النار؟ من يُحاسب في حال وقوع تجاوزات؟

إن ما نشهده في السودان اليوم – من ود مدني إلى بورتسودان، ومن بحري إلى أم درمان – هو انكشاف شامل لفشل بنيوي في هيكل البلاد واستراتيجيتها الامنية، تلك البلاد التي ما عادت تملك لا رؤية ولا مشروعية، وإنما تدير ما تبقى من وطن عبر تقنيات “النجاة بالفوضى” و”الحكم بالخراب”. فالبرهان، ومن معه من نخب ما بعد الانقلاب، لم يعدوا مجرد مديري أزمة دائمة، يجتهدون في ضمان بقائهم لا بناء وطنهم.

يبقى الأمل معقوداً على وعي السودانيين الذين فهموا أن الدولة لا تُبنى على السلاح، بل على العدل، وأن الأمن لا يُحقق عبر المليشيات، بل عبر مؤسسات وطنية موحدة تخضع للمساءلة، وتعمل وفق الدستور لا المزاج العسكري. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السودان رهينة بين فكي سلطة تمتهن إدارة الخراب، وشعب يتشبث بالحياة رغم كل شيء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!