رأي

السرديات الزائفة وتفكيك بنية الدولة المأزومة

نجم الدين دريسة 

 

نجم الدين دريسة 

تثير التحولات العميقة والمعقدة التي يمر بها السودان سؤالاً مركزياً وهاماً: هل يجمع الشعوب السودانية وجدان مشترك يتجاوز الحدود الجغرافية، أم أن البون الشاسع في طرائق التفكير والتصورات السائدة يحول دون ذلك؟ إن الفوارق المفاهيمية والثقافية بين المكونات المختلفة لم تعد تفاصيل جانبية يمكن تجاوزها، بل أضحت جوهر الأزمة التي تعطل مسار التطور السياسي والاجتماعي.

إن متابعة الخطاب المهيمن في المنصات الإعلامية والفضاء الرقمي تكشف عن انفصام حاد ومقلق بين تنظيرات نخبوية تعيش في عالم طوباوي معزول، وواقع مؤلم ومأساوي تعانيه المجتمعات على الأرض يومياً. هذا التباين الكبير يضع الجميع أمام حقيقة تاريخية لا يمكن القفز عليها، وهي أن أزمة البلاد ليست مجرد نزاع عابر على السلطة، بل هي أزمة وجود وبنية ووجدان يتطلب مواجهتها بكل شجاعة وشفافية.

ظل الخطاب السياسي التقليدي يردد شعارات براقة مثل “الوحدة الوطنية” و”دولة المواطنة” كديباجات جاهزة للتخدير، بينما يواجه المواطنون واقعاً مريراً يرتكز على الاستهداف المباشر للهوية والقتل الممنهج على أسس ضيقة وجغرافية. إن الفجوة الحاصلة بين الشعارات المرفوعة والواقع المعاش هي التي أفقرت مفهوم المواطنة وجعلته مجرد كلمة جوفاء لا حماية فيها ولا مساواة.

إن تصنيف مجتمعات كاملة واستهدافها تحت مزاعم واهية، وممارسة أشرس أنواع الانتهاكات والمجازر بحق المدنيين العزل، يمثل قمة الفشل الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه مؤسسات الدولة القديمة. إن محاولات فرض الصمت وتفريغ القضايا العادلة من محتواها لتمرير سرديات زائفة لم تعد مجدية في عصر ينكشف فيه المستور، ولم يعد ممكناً إعادة كتابة التاريخ على حساب الضحايا والمظلومين.

لقد ولّى زمن القبول الهادئ بسياسات التهميش والتسلط التي أرست دعائمها دولة المركز منذ ما يعرف بالاستقلال، وحان وقت التغيير البنيوي الشامل. إن القواعد الجماهيرية العريضة التي تحزمت اليوم برغبة أكيدة في التحرر والكرامة، تعلن بوضوح قاطع رفضها النهائي للعودة إلى نموذج دولة وكلاء الاستعمار والأوليغارشية الحاكمة.

هذه الدولة التي استأثرت بالموارد والثروات والمقدرات الوطنية لصالح فئات محددة، وبنت سلطانها على حساب دماء وآلام شعوب الأطراف، لم تعد قابلة للاستمرار أو الترقيع. أي محاولة للإبقاء على هذه الصيغة التاريخية المختلة ستواجه برفض شعبي واسع وممتد، لأن الشعوب لم تعد مستعدة لتكرار تجارب الإقصاء القسري باسم الاستقرار الموهوم.

إن الاعتقاد بإمكانية تجاوز هذه الأزمة الوطنية المستحكمة عبر تسوية سياسية تقليدية تحافظ على الهياكل القديمة وترمم أركان النظام المتردي هو محض وهم نخبوي خطير. أي تسوية لا تبدأ من إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة وعادلة بالكامل، ستكون مجرد هدنة مؤقتة تفاقم الأزمة وتؤدي إلى إعادة إنتاجها بشكل أكثر فظاعة وشراسة.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست ضد أشخاص أو أسماء، بل هي ضد بنية شمولية قمعية تُستغل فيها المؤسسات الرسمية للهيمنة والإقصاء وتكريس التفاوت التنموي والاجتماعي بين أبناء الوطن الواحد. لن تستقيم أي معادلة سياسية مقبلة دون تفكيك هذه الممارسات التي أنتجت الحروب المتطاولة والغبن المتراكم عبر العقود.

إن التبادل غير المتكافئ للسلطة والثروة أوجد اختلالاً صريحاً في توزيع فرص الحياة الكريمة، وهو ما أضعف فكرة الانتماء للكيان الجامع. عندما يرى المواطن أن الدولة تراه خصماً أو حاضنة مفترضة للتمرد بناءً على انتماءاته الجغرافية، يسقط العقد الاجتماعي التلقائي ويصبح الحديث عن الوجدان المشترك مجرد ترف فكري لا يعبر عن الحقيقة.

إن أي عملية إعادة بناء لا تصارح نفسها بضرورة التأسيس الثاني ستظل تدور في حلقة مفرغة. والتأسيس الثاني لا يعني تعديل بعض القوانين أو توزيع بعض الحقائب الوزارية، بل يعني تفكيك مركزية القرار، وإحداث قطيعة معرفية وسياسية مع المناهج التي أدارت البلاد بالوصاية والاستعلاء الفكري والثقافي.

إن العبور الحقيقي والمستدام نحو سودان المستقبل يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على مقايضة الظلم التاريخي بالعدالة الناجزة، والقبضة المركزية الخانقة بنظام فدرالي حقيقي يضمن إدارة الموارد والقرار بمرونة وحرية. هذا التحول ينبغي أن يضع حداً نهائياً لسيطرة العاصمة على مقدرات كافة الأقاليم دون وجه حق.

كما يقتضي هذا التحول إعادة بناء المؤسسات المدنية والعسكرية على قواعد قومية متفق عليها تعبر عن كافة المكونات بلا استثناء. يجب أن تعكس تلك المؤسسات التنوع الديمغرافي والاجتماعي الحقيقي للبلاد، حتى تكون أداة لحماية الجميع وليست أداة لحماية سلطة احتكارية أو فئة محددة على حساب باقي الشعب.

ويتطلب التأسيس الجديد اجتثاث ومحاربة الخطابات العنصرية والتحريضية بلا تهاون، وإعادة كتابة التاريخ الوطني لتصحيح السرديات المجحفة والأحادية التي طمست مساهمات أقاليم كاملة في صناعة تاريخ هذا البلد. إن بناء عقل وطني جامع يستلزم إتاحة المجال لكافة الثقافات والهويات للتعبير عن نفسها بكرامة ودون استعلاء.

إن التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات ليست مجرد هبات تمنحها السلطة المركزية، بل هي حقوق أصيلة لكل فرد وشعب في هذا الفضاء الجغرافي. بدون هذه العدالة الاقتصادية، سيبقى الفقر والتهميش وقوداً مستمراً للاضطرابات والنزاعات المسلحة التي تهدد الاستقرار الكلي.

إن تطلعات الشعوب السودانية في الحرية والعدالة والسلام ليست مجرد مطالب فئوية، بل هي الأساس الوحيد لبناء دولة مستقلة متوازنة تتسع لجميع أبنائها. إن الإقرار بالتنوع وإعادة بناء الوجدان المشترك على أسس المساواة والاعتراف المتبادل هو الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد من التفكك الكامل ووضعها على طريق المستقبل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!