رأي

البحر الأحمر لن يستقر ما دامت الأزمة السودانية بلا حل سياسي

سمية النور دهب 

 

سمية النور دهب 

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر دولي للتجارة والطاقة، بل أصبح إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في المنطقة. ومع إطلاق المملكة العربية السعودية تحالفاً بحرياً متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، برز السودان بوصفه الحلقة الأكثر تعقيداً في معادلة الأمن الإقليمي، حيث بات مسار الحرب ومستقبل السلطة في البلاد يرتبطان بصورة متزايدة بحسابات الأمن البحري.

تتعامل السعودية مع البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، ولذلك تضع حماية الممرات البحرية ومنشآت الطاقة في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، تبدو الرياض حريصة على الحفاظ على الترتيبات السياسية والعسكرية القائمة في بورتسودان، انطلاقاً من علاقاتها التاريخية مع مؤسسات الدولة السودانية، ورؤيتها التي تعطي أولوية للاستقرار الأمني ومنع انتقال الفوضى إلى الساحل الغربي للبحر الأحمر.

غير أن هذه المقاربة تواجه تحديات كبيرة داخل السودان. فالحرب المستمرة أفرزت واقعاً سياسياً معقداً، كما أن استمرار النزاع أضعف مؤسسات الدولة وعمّق الانقسام الداخلي، وأصبح أي حديث عن تثبيت معادلات السلطة القائمة يصطدم بتعقيدات ميدانية وسياسية يصعب تجاوزها في ظل استمرار القتال.

ويرى عدد من المحللين أن الرهان على تثبيت الواقع الحالي يواجه عقبات متزايدة، لأن الأزمة السودانية تجاوزت كونها صراعاً عسكرياً، وأصبحت أزمة شرعية وحكم ومستقبل دولة. كما يشيرون إلى أن أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد ستظل عرضة للاهتزاز ما لم ترتبط بمسار سياسي قادر على إنتاج مؤسسات تحظى بقبول داخلي أوسع وتوفر أساساً أكثر استقراراً للحكم.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن استمرار الحرب يجعل من الصعب تحقيق الهدف الأساسي الذي أُنشئ من أجله التحالف البحري، وهو توفير بيئة آمنة ومستقرة للملاحة الدولية. فكلما اتسعت رقعة العمليات العسكرية داخل السودان، زادت احتمالات امتداد تداعياتها إلى البحر الأحمر، بما ينعكس على التجارة العالمية وأمن الطاقة.

وتشير قراءات سياسية إلى أن أي مقاربة تركز على البعد الأمني وحده قد لا تكون كافية لمعالجة جذور الأزمة، لأن استقرار البحر الأحمر يرتبط بصورة وثيقة باستقرار السودان نفسه. ولذلك، فإن نجاح أي مشروع إقليمي لحماية هذا الممر الحيوي سيظل مرهوناً بوجود تسوية سياسية تنهي الحرب وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس مستدامة.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن البحر الأحمر والسودان أصبحا ملفاً واحداً لا يمكن الفصل بينهما. فالسفن الحربية تستطيع حماية خطوط الملاحة، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء حرب داخلية أو إنتاج استقرار سياسي. ولهذا، فإن مستقبل الأمن الإقليمي سيبقى مرتبطاً إلى حد كبير بقدرة الأطراف السودانية والإقليمية والدولية على الوصول إلى تسوية تنهي النزاع وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!