
زينب حسن سعيد
مع بزوغ فجر اليوم، يكمل السودان ألف يوم تحت نيران حرب لم تبقِ ولم تذر. ألف يوم مرت علي الشعب السوداني مريرة، تحولت فيها الخرطوم ومدن دارفور وكردفان والجزيرة إلى ساحات مواجهة مفتوحة، لتسجل الذاكرة الوطنية أطول فصول الانكسار في تاريخ البلاد المعاصر. فإلى أين تتجه هذه البلاد النازفة؟ ولماذا صمتت أصوات الحكمة أمام دوي المدافع؟
ألف يوم من النزيف: الخريطة الممزقة
لم تعد المعضلة في السودان مجرد “اشتباك مسلح”، بل باتت مأساة وجودية تهدد بتفكيك الدولة إلى “إقطاعيات عسكرية”. فاليوم، يبدو السودان مقسوماً بين سلطات متعددة، وجيوش متناحرة، وبنية تحتية أصبحت أثراً بعد عين. إن المسار الحالي، إذا لم يتداركه عقلاء الداخل وضغوط الخارج، يتجه نحو “الصوملة” أو الانقسام الفعلي الذي قد يجعل من وحدة السودان مجرد ذكرى في كتب التاريخ.
المواطن المكلوم: الضحية المنسية
بين مطرقة الرصاص وسندان الجوع، يقف المواطن السوداني وحيداً. ألف يوم كانت كفيلة بتحويل “الطبقة الوسطى” إلى طوابير من النازحين واللاجئين. المواطن اليوم لا يسأل عن “من يحكم”، بل يسأل “كيف يحيا؟”. لقد تآكلت الثقة في النخب السياسية والعسكرية على حد سواء؛ فالشعب الذي خرج في ديسمبر طالباً للحرية والسلام، يجد نفسه اليوم رهينة لصراع لا ناقة له فيه ولا جمل، صراع سلب منه بيته، وعمله، ومستقبل أبنائه.
السودان وساحة “الوكالة” الدولية
حين نحلل جذور هذه الأزمة في عمقها الحالي، نجد أن السودان قد تحول، للأسف، إلى رقعة شطرنج في حرب وكالة إقليمية ودولية. السلاح المتدفق عبر الحدود والتمويل العابر للقارات حوّل السودانيين إلى وقود لمعارك تخدم مصالح قوىً خارجية تريد تأمين موطئ قدم على البحر الأحمر أو السيطرة على موارد البلاد. إن ارتهان القرار العسكري والسياسي لأجندات الخارج هو ما يفسر استعصاء الحل وسقوط مبادرات السلام الواحدة تلو الأخرى.
رسالة إلى المتحاربين: كفوا أيديكم عن تمزيق الوطن
إلى القادة الذين يحملون السلاح ويمسكون بزمام الأمور: كفى!
إن التاريخ لا يرحم، ودماء الأبرياء التي خضبت تراب هذا الوطن ستظل لعنة تطاردكم في صفحاته. إن البطولة ليست في عدد المدن التي تستبيحونها، ولا في حجم الدمار الذي تلحقونه بخصومكم، بل البطولة الحقيقية هي في الشجاعة لقول “لا” للحرب، و”نعم” لحياة هذا الشعب الذي أذله الجوع والنزوح.
اعلموا أنكم لن تحكموا إلا الركام إذا استمر هذا العبث. أي نصرٍ تنشدون فوق جثث الأطفال وأنين الأمهات؟ إن الوطن ليس “غنيمة” تقسمونها، بل هو أمانة أضعتموها بين مطامعكم وارتهانكم لمصالح الغرباء. ضعوا السلاح اليوم قبل غد، فالسودان الذي تعرفونه يتلاشى، ولن يبقى لكم وطن لتقوده أو جيوش لتقودوها إذا ما استمرت هذه المحرقة.
خاتمة: لا وقت للحياد
إن مرور ألف يوم على هذه الحرب هو وصمة عار في جبين الإنسانية والمجتمع الدولي. السودان لا يحتاج إلى “مبادرات خجولة” بل إلى إرادة وطنية ترفض التبعية. إن الوطن ينزف، وما لم يتوقف هذا النزيف الآن، فإننا قد لا نجد “سوداناً” لنبكي عليه في اليوم الألفين.




