رأي

الجمع بين الضدان في تحالف الكيزان: من صناعة الجنجويد إلى إعادة تدوير المليشيات

آدم الحاج أديب

 

 آدم الحاج أديب

في مسرح السياسة السودانية تتكرر المفارقات بصورة تكشف عمق أزمة الدولة أكثر مما تكشف تعقيدات الحرب. ومن أبرز هذه المفارقات محاولة الجمع بين قوى نشأت تاريخياً في سياقات متناقضة، ثم إعادة تقديمها اليوم باعتبارها أدوات لإنقاذ السودان، بينما السؤال الحقيقي هو: هل يمكن لمن ساهم في إنتاج ظاهرة المليشيات أن يكون جزءاً من مشروع إنهائها؟

إن تحشيد القوات المشتركة إلى جانب قوات موسى هلال يمثل واحدة من أكثر صور التناقض السياسي والعسكري وضوحاً في المشهد الراهن. فقوات موسى هلال ارتبط اسمها تاريخياً بمرحلة صعود ظاهرة الجنجويد التي لعبت دوراً مركزياً في صراعات دارفور، بينما كانت الحركات المسلحة والقوى التي تقاتل اليوم تحت مسميات مختلفة في مواجهة مباشرة معها خلال مراحل سابقة.

لكن المشهد الحالي يعيد إنتاج المعادلة بصورة جديدة؛ حيث يتم جمع قوى مسلحة متعددة تحت راية مواجهة الدعم السريع أو قوات تأسيس، وكأن الحل للأزمة السودانية يكمن في إضافة قوة مسلحة جديدة إلى ميزان الحرب. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل بناء المزيد من التشكيلات العسكرية خارج إطار الدولة يمكن أن يقود إلى السلام، أم أنه استمرار لسياسة إدارة الأزمة عبر صناعة أدوات العنف؟

ومن أكثر المفارقات إثارة للتساؤل في المشهد الراهن التحولات السريعة في توصيف الأشخاص والقوى المسلحة وفقاً لموقعها من الصراع. فالشخص أو المجموعة التي كانت تُصنف بالأمس ضمن منظومة الجنجويد أو القوى المرتبطة بالعنف في دارفور، قد تتحول اليوم في الخطاب السياسي إلى رمز للمقاومة أو التحرير بمجرد تغير التحالفات والمصالح.

وهنا يبرز السؤال حول معايير الوطنية: هل الوطنية موقف ثابت مرتبط بمبادئ العدالة وحماية المدنيين وسيادة القانون، أم أنها توصيف سياسي تمنحه التحالفات العسكرية لمن يقف في صفها؟ وكيف يمكن للمواطن السوداني أن يفهم هذا التناقض، بينما يُحاسب آلاف السودانيين بتهم سياسية مثل التعاون أو الانتماء، في الوقت الذي تتغير فيه مواقف وتصنيفات بعض القوى المسلحة وفقاً لحسابات الحرب؟

إن أزمة السودان ليست فقط أزمة سلاح، بل أزمة معايير. فعندما تصبح العدالة مرتبطة بالهوية السياسية للمتهم أو بموقعه في خارطة التحالفات، يفقد المواطن ثقته في مؤسسات العدالة، لأن العدالة الحقيقية لا تعرف صديقاً أو عدواً، ولا تتغير بتغير موازين القوة.

إن تجربة السودان تؤكد أن المليشيات لا تنهي الأزمات، بل تعيد إنتاجها. فكلما فشلت الدولة في بناء جيش قومي ومؤسسات عدلية مستقلة، لجأت القوى السياسية إلى استدعاء التشكيلات المسلحة لخدمة أهداف مرحلية، ثم تتحول هذه الأدوات لاحقاً إلى مراكز قوة تنازع الدولة نفسها.

لكن السؤال الأعمق يتعلق بثروات السودان وموارده: كيف تحولت أرض غنية بالذهب والثروات الطبيعية والمقدرات الاقتصادية إلى وقود لتمويل الحروب بدلاً من أن تكون أساساً لبناء الدولة؟ إن استمرار اقتصاديات الحرب يعني استمرار قدرة المليشيات على التجنيد والتسليح وشراء الولاءات.

ولذلك فإن الخروج من دائرة العنف يتطلب وعياً شعبياً وسياسياً بضرورة تجفيف منابع تمويل الحرب، ووضع آليات حقيقية لمراقبة وتجميد اقتصاديات المجموعات المسلحة التي تستفيد من استمرار الصراع، لأن الحرب لا تستمر بالسلاح فقط، بل تستمر بالمال والشبكات الاقتصادية التي تغذيها.

وكما يقول المثل السوداني: “من دقنو وأفتلوا”؛ فقد أصبح الشعب السوداني يدفع من موارده وثرواته ثمن الحروب التي تُدار باسمه، بينما القوى التي تشعل هذه الصراعات تستخدم أبناء الفقراء والمهمشين وقوداً لمعاركها، وتحافظ على مصالحها الخاصة.

وهنا يبرز سؤال الوعي: متى تدرك قوى الهامش أنها ليست طرفاً مستفيداً من هذه الحروب، بل هي غالباً الخزان البشري الذي يتم استنزافه في معارك لا تحقق لها عدالة ولا تنمية ولا سلطة حقيقية؟

لقد ظلت قطاعات واسعة من أبناء الأقاليم المهمشة تُستخدم في حروب المركز، بينما تقوم النخب السياسية التي تشعل هذه الصراعات بحماية مصالحها، وتأمين مستقبل أبنائها عبر التعليم والفرص خارج السودان، في الوقت الذي تترك فيه أبناء الفقراء لمواجهة الموت والنزوح والفقر.

إن مأساة السودان ليست فقط في وجود السلاح، وإنما في استمرار توظيف أبناء الهامش ضد بعضهم البعض، وتحويل قضاياهم العادلة إلى أدوات في صراع النخب على السلطة. ومن هنا فإن معركة التغيير الحقيقية تبدأ عندما تمتلك هذه القوى وعياً جديداً يرفض أن تكون وقوداً لحروب الآخرين.

فالسودان لا يحتاج إلى تحالفات جديدة للمليشيات، بل يحتاج إلى مشروع وطني ينهي عصر استخدام الهامش ضد الهامش، ويعيد بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

إن بناء الدولة لا يبدأ من كثرة البنادق، وإنما من إنهاء الأسباب التي تجعل المواطن يحمل البندقية ضد أخيه المواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!