
صهيل الخيل : د. عبدالمجيد عبدالرحمن ابوماجدة
“1”
إنٌ من أهم المرتكزات الأساسية والمهمة التي تمثل حقيقة نشوء وتكوين الدولة الحديثة إنما تعتمد على مقومات عديدة لا يمكن الاستغناء عنها إذا ما أردنا أن نتحدث عن المفهوم السياسي والاجتماعي الذي يتعلق بكيفية الإحاطة بجميع أركان الدولة التي تمثل الإنسان والأرض والسيادة التي تراها الحكومة وما يترتب عليها من اهتمام وتنفيذ وعلاقة مابين السلطات الثلاثة “التشريعية والتنفيذية والقضائية” في أي دولة ترعى مصالح شعبها وتهتم بالحفاظ على الإستقلال السياسي وحماية أمن شعبها وسلامة حدودها وإستقلالها الإقتصادي القائم على إستخدام ثروات البلاد لتقدم ورفاهية الشعب وتأمين مستقبل الأجيال القادمة .
إنّ المفهوم الحقيقي للدولة وبأنها هي الإطار السياسي والتظيمي والمرجع الأعلى الذي يشرف على كافة أمور الحياة في المجتمع وهي بذلك تتمتع بالسيادة التي تمثل الإرادة الحقيقية لها والشخصية المعنوية التي تحتويها .
إنّ للدولة مهام ووظائف عديدة تتمثل في ضبط حركة المجتمع وتأمين السلم الإجتماعي وتحقيق العدالة ورسم ملامح التقدم والرخاء عبر صيانة الدستور والحفاظ على الإستقلال السياسي والإقتصادي .
إنّ من أهم أركان الدولة هم الشعب الذي لا يتحدد بعدد أفراد المجتمع فقد بل يكون عبر الملايين أو الآلآف وإنما الأساس في هذا الركن المهم تحقيق حالة الترابط والتماسك المجتمعي ووحدة المصالح والأهداف للبلاد وتحقيق حالة التأزر والتلاحم الشعبي بين جميع مكونات وأفراد المجتمع .
إنّ الدولة تتألف من ثلاثة مقومات أساسية لوجودها هي : “السكان والحيز الجغرافي والسلطة التي تحددها السيادة” .
علماء الحكم والقانون يعرّفون الدولة بأنها تنظيم سياسي للمجتمع أو هيئة سياسية أو تحديد مؤسسات الحكومة وهي شكل من أشكال المؤسسات الإنسانية التي تتميز عن الفئات والمؤسسات الأخرى من خلال الغرض الخاص بها وهو تأسيس الأمن والنظام وأساليبها المطبقة من خلال النظام والقوة وأقاليمها أيّ المناطق الخاضعة لها وحدودها الجغرافية وسيادتها .
إنّ الدولة تتكون من اتفاق الأفراد على عدة وسائل وأساليب يمكن بموجبها تسوية النزاعات باتباع القوانين والنظم واللوائح .
كما تُعبّر الدولة عن مجموعة من الأفراد الذين يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنظام سياسي معين متفق عليه فيما بينهم يتولى شؤون الدولة وتشرف الدولة على أنشطة سياسية وإقتصادية وإجتماعية والتي تهدف إلى تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الأفراد فيها .
إنّ معنى السيادة القانونية يتحقق في امتلاك الدولة لحقها المطلق والمستقل في إصدار القوانين وتعديلها وتفسيرها وتحديد السيادة السياسية عبر مفهومين “السيادة الداخلية بتحقيق العدالة واحترام حقوق الإنسان وضمان حرية الرأي والتعبير وتطبيق القوانين والأنظمة وتحقيق العدالة الإجتماعية” .
“والسيادة الخارجية القائمة على صيانة إستقلال البلاد ورفض التبعيات والتدخلات الخارجية وصد اي عدوان غاشم يستهدف حدود البلاد الدولية ومهمة إقامة العلاقات مع دول العالم والهيئات والمنظمات الإقليمية و الدولية بما يراعي مصلحة أبناء الشعب وحماية مكتسباتهم والعمل على تحقيق الأمن والإستقرار داخل المجتمع الواحد في أجواء مليئة بالحوار واحترام الرأي والرأي الآخر وتقبله وتوفير فرص العمل لجميع المواطنين داخل الدولة الواحدة و محاسبة الفاسدين الذين يسيئون للمصلحة الوطنية واستغلالهم لموارد الدولة وسرقتهم للمال العام”
إنّ أهم ركن من هذه الاركان هو تحقيق حماية المواطن وتعزيز مكانته وكرامته والحرص على تحقيق الأمن الإقتصادي والإجتماعي والفكري .
كما يجب أن تقوم السلطات الثلاث بدورها الريادي في قيادة حركة المجتمع عبر التزامها وقيامها بواجباتها بصورة دقيقة وبأدوات حقيقية وشفافية واضحة .
فالسلطة التشريعية التي يتم انتخابها من قبل أفراد المجتمع والتي تسمى بمجلس النواب أو المجلس التشريعي مهمتها اصدار القوانين وتعديل الدستور وإقرار الميزانية والإشراف على فرض الضرائب والرقابة على السلطة التنفيذية ومنحها الثقة أو حجبها عنها وتعتبر السلطة التشريعية الممثل الحقيقي لسيادة الشعب واحترام إرادته .
أما السلطة التنفيذية فهي التي تتعلق مهامها بإدارة الدولة وتطبيق قرارات السلطة التشريعية وقوانينها الصادرة عنها وتنظيم أمور البلاد المالية وصيانة حقوق الأفراد وحماية حدود الدولة وتنشيط الإقتصاد الوطني وتقديم الخدمات للمواطنين المتعلقة بالتعليم والصحة والإسكان .
أما السلطة القضائية فتعمل على تفسير القوانين والفصل في الخصومات والالتزام باستقلالية القضاء وتحقيق العدالة الإجتماعية والإلمام بالقوانين والخبرة العملية وتأكيداً على مبدأ الفصل بين السلطات الذي يعتبر أهم المبادئ الدستورية في الدول الديمقراطية المعاصرة ويعني ذلك وجوب الفصل بين السلطات الدستورية الأساسية “التشريعية والتنفيذية والقضائية”
إنّ المقصود من الفصل بين هذه السلطات الفصل الشكلي أو العضوي: أي توجد هيئة أو سلطة تتولى وظيفة التشريع وهيئة أو سلطة أخرى تتولى وظيفة التنفيذ وهيئة أو سلطة تتولى وظيفة القضاء .
أما الدستور فهو الذي يبين نظام الحكم في الدولة وتشكيل السلطات العامة وتوزيع الإختصاصات بينها وكيفية ممارستها كما يبين حقوق الأفراد والوسائل اللازمة لضمانها وصيانتها.
فالدستور يشكل حالة قانونية ملزمة لسلطات الدولة ويبين حدود وإختصاص كل سلطة لا تستطيع تجاوزها وإلاّ تكن قد خالفت أحكام الدستور وفقدت السند الشرعي لتصرفها .
إنّ أحكام الدستور تقع في قمة هرم النظام القانوني وتسمو على ما عداها من قواعد قانونية ولا تتحق هذه الأهداف إلا بوجود قضاء مستقل يشكل أهم الدعامات الأساسية لحماية الدستور وقوانينه وعلى إستقلال القضاء يتوقف الوجود الفعلي لبقية مقومات الدولة فلا قيمة للدستور ولا لمبدأ الفصل بين السلطات ولا لضمان الحقوق والحريات الفردية إلا بوجود رقابة قضائية تضمن احترام الدستور وبقية القواعد القانونية وتضمن ممارسة كل سلطة وظائفها في حدود مبدأ فصل السلطات وتضمن حماية الحقوق والحريات الفردية .
كما لا قيمة لهذه الرقابة القضائية إلا إذا كانت السلطة القضائية مستقلة تماماً وبعبارة أخرى يعتبر القضاء المستقل العنوان الحقيقي للدولة القانونية .
“2”
إنّ من اهم مرتكزات بناء الدولة الحديثة هو سيادة حكم القانون والعدالة والقانون فوق الجميع بخضوع الحاكم والمحكوم لقواعد قانونية واضحة وثابتة .
إنّ إستقلال القضاء هو الضمان الوحيد لحماية حقوق الأفراد والمجتمع .
كما أنّ فصل السلطات بوضوح تام يؤسس لدولة الشفافية والعدالة .
إنّ من اهم مرتكزات بناء الدولة الحديثة كذلك المؤسسات والإدارة الكفوءة وبناء مؤسسات حكومية منظمة تعمل بشفافية بعيداً عن المحسوبية واحترام الدستور و تنظيم العلاقة بين الشعب والدولة عبر تشريعات مستقرة والمواطنة المتساوية والانتماء والمساواة التامة بين الجميع في الحقوق والواجبات بغض النظر عن العرق أو الدين .
إنّ الهوية الوطنية هي تقديم الولاء للوطن والمؤسسات على الولاءات الفرعية أو القبلية .
كما يجب بناء إقتصاد منتج ومستدام يدعم استقرار الدولة وقوتها .
اما العدالة الاجتماعية فتكمن في التوزيع العادل للثروات وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين .
إنّ العمود الفقري لبناء الدولة الحديثة هو الحكم الرشيد Good” “Governance
الحكم الرشيد يعني “إدارة شؤون الدولة والموارد بطريقة رشيدة ومسؤولة تحقق مصلحة المواطنين” ومن أهم مرتكزات الحكم الرشيد هي :
1- سيادة القانون إنّ القانون فوق الجميع مواطنين ومسؤولين والقضاء المستقل والعادل ووضوح القوانين وتطبيقها بدون استثناءات
2- الشفافية والمساءلة وتكون قرارات الحكومة واضحة ومعلنة والمواطن من حقه يعرف الاموال التي دخلت الخزينة العامة وتم صرفها كما يجب محاسبة أيّ مسؤول قصر في اداء واجباته الموكلة له .
ينبغي مكافحة الفساد المالي والإداري وفي كل مستويات الحكم في الدولة الحديثة .
3- المشاركة يجب إشراك المواطنين والمجتمع المدني في صنع القرار وتكون هناك حرية الرأي والتعبير والإعلام و الانتخابات الدورية وتداول السلطة بطريقة سليمية .
4 – الكفاءة والفعالية تحقيق أكبر إنجاز بأقل تكلفة ووقت كما إنّ وجود مؤسسات حكومية محترفة بعيدة عن البيروقراطية و استخدام التكنولوجيا في الخدمات الحكومية “الحكومة الإلكترونية”
5- العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص في الوظائف والخدمات وحماية حقوق الأقليات والفئات الضعيفة وعدم التمييز .
6- الاستجابة والرؤية الاستراتيجية يجب على الحكومة الاستماع باذن صاغية لمشاكل الناس وتتفاعل معاها بسرعة وتكون هناك في خطة طويلة المدى للتنمية وليست حلول مؤقتة
للحكم الراشد ثلاثة ركائز هي :
أ – ثقة المواطن في الدولة .
ب- جذب الاستثمار لانّ المستثمر يطمئن عندما يجد القانون واضحاً .
ج- الاستقرار وهذا بدوره يقلل الاحتجاجات والصراعات .
“3”
إنّ هناك نماذج لدول نجحت في الحكم الراشد وقدمت لشعوبها حياة كريمة وحافظت على الامن والاستقرار ولديها علاقات ندية مع الدول في محيطها ومع كل دول العالم وهي :
1- سنغافورة تعتبر دولة سنغافورة دولة صغيرة الحجم وفقيرة وليست لديها موارد .
لكن لديها قضاء صارم جداً على الفساد وهي الآن تعتبر حكومة رقمية “100%” ولديها كفاءة عالية .
فكانت النتيجة اصبحت من أغنى دول العالم وأقلها فساداً وكل المعاملات والخدمات فيها يتم عبر الشبكة العنكبوتية “أونلاين”
2- الدنمارك و السويد و فلندا هذه الدول الثلاثة حافظت على رفاهية عالية لشعوبها وفيها شفافية كاملة ضرائب عالية مقابل خدمات ممتازة ومشاركة مجتمعية وثقة كبيرة بين المواطن والدولة .
هذه الدول الثلاثة متصدرة مؤشرات السعادة لشعوبها ولا يوجد فيها الفساد كل سنة .
3- رواندا حدثت فيها إبادة جماعية 1994م ودمار شامل في شتى مناحيي الحياة فيها .
اما الآن تعيش دولة روندا في احسن ظروفها بحيث تمت فيها المصالحة الوطنية ولديها حكومة إلكترونية تمكين المرأة في البرلمان بنسبة “60%” ومحاربة الفساد .
فاصبحت اليوم من أسرع الاقتصاديات نمواً في أفريقيا وأكثرها أمنا وإستقراراً .
إنّ هناك نماذج لدول واجهت تحديات كبيرة وازمات ما زالت لم تخرج من اوحالها وهي :
1- دولة فنزويلا مشكلتها الاساسية الاعتماد الكلي على النفط و غياب الشفافية وضعف المؤسسات .
فعلى الرغم من انها تعتبر دولة فيها أكبر احتياطي للنفط إلاّ انها حدث فيها انهيار اقتصادي وتضخم وتدهور خدمات وغابت فيها المساءلة القانونية .
2- دولة الصومال عاشت سنوات طويلة في اتون الحروب والصراعات و غابت فيها الدولة المركزية و صراعات قبلية وضعف سيادة حكم القانون فكانت النتيجة مؤسسات غير قادرة على توفر الأمن ولا خدمات أساسية تقدم للمواطنيها .
إنّ أهم التحديات التي تواجه تطبيق الحكم الرشيد هي:
1- الفساد الإداري والمالي
وهي من أخطر التحديات للحكم الرشيد وكذلك الرشوة والواسطة و المحسوبية هذه كلها تضرب الثقة .
فعندما يحس المواطن بأنّ القانون لا يطبق على الكل فيفقد القانون قيمته .
2- ضعف المؤسسات وبيروقراطية وتعقيد الإجراءات وقضاء بطيء أو غير مستقل و أجهزة رقابية ضعيفة وليست قادرة على الحساب .
3- غياب المشاركة الحقيقية أحيانا تكون هنالك انتخابات لكن لا يوجد أحزاب قوية ولا مجتمع مدني فاعل فصوت المواطن لم يصل للقرار .
من اكبر التحديات و الأزمات التي تواجه الدول الازمات الاقتصادية .
فعندما تتعرض الدولة لضغوطات اقتصادية تضطر تركز على حلول سريعة ومسكنات وهنا بالطبع بتفقد الشفافية والتخطيط طويل المدى .
5- الثقافة السياسية إذا كانت الدولة ما زالت تمارس ثقافة “الواسطة ” و الكبير لابد ان يكون كلامه مسموع وفوق الجميع فمن الصعب ان تطبق المساواة وسيادة القانون .
6- الصراعات والأمن هناك دول فيها توترات أو حروب فالأولوية تكون للأمن والحريات والمشاركة يتم تأجيلها .
7- التكنولوجيا والتحول الرقمي إنٌ التحول الالكتروني للحكومة يكون مكلفاً جداً ويحتاج الى كوادر فنية وهذا بدوره يفتح باباً للفساد والمحسوبية .
كل ما سبق ذكره لا يمكن لايّ دولة ان تطبق الحكم الراشد في عشيةً وضحاها ولكن بخطوات عملية ومثابرة يمكن ان تصل لذلك وفق الاتي :
1- إرادة سياسية حقيقية للإصلاح الاداري والقانوني .
2- التعليم والتوعية للمواطن بحقوقه وواجباته
3- الإعلام الحر يراقب ويكشف الحقائق .
4- قضاء قوي ومستقل هو الفيصل عندما يكون القانون فوق الجميع .
إنّ بناء الدولة الحديثة يرتكز على تلك المرتكزات المهمة التي جاءت في صدر هذا المقال ودونها لا نستطيع بناء دولة مؤسسات وقانون ومساءلة وشفافية .
نحتاج لقيام وبناء دولة مؤسسات تحترم حقوق الانسان وحفظ حقوقه وكرامته وتساوي بين الحاكم والمحكوم في الحقوق والواجبات .
Abdumajeednetaigazxc1133@gmail.com
كاتب وباحث سوداني




