رأي

قراءة قانونية حول بعض المواد الواردة في الوثيقة الدستورية والقوانين السودانية

بقلم: الضابط الإداري/ عبدالله جمعة النور

خبير الحوكمة ورئيس اتحاد المهنيين والنقابات بتحالف تأسيس

مقدمة

هذه قراءة قانونية حول بعض المواد الواردة في الوثيقة الدستورية لسنة 2019/2020م، ومشروع الدستور الانتقالي لسنة 2025م، وقانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، وقانون تنظيم الحكم اللامركزي لسنة 2020م، وما يرتبط بها من مسائل سيادة حكم القانون، والشخصية الاعتبارية، والحصانات الدستورية والإجرائية، والحماية القانونية للقيادات النقابية والمهنية والعمالية.

أولاً: الإرادة السياسية وسيادة حكم القانون

إذا كانت القيادة السياسية لديها قرار واضح ببناء دولة قانون ومؤسسات، لا دولة أفراد، فإن ذلك يعني ترسيخ مبدأ سيادة حكم القانون، وأن يكون القانون فوق الجميع، دون استثناء.

ثانياً: المواطن والموظف أمام القانون

المطلوب أن يعود الموظف إلى أداء عمله بضمير، ووفقاً للقانون، وأن يطالب المواطن بحقه عبر القانون، لا بالواسطة أو بقوة السلاح.

فالقانون والدستور واضحان في مبدأ فصل السلطات، وفي ضرورة محاسبة الكبير قبل الصغير. وبدون قانون رادع وآليات حقيقية للمساءلة، تصبح المؤسسات مجرد هياكل بلا فاعلية حقيقية.

فالمؤسسات لا تحميها المباني ولا العربات، وإنما يحميها الأشخاص الملتزمون بالقانون، إلى جانب وجود نظام محاسبة حقيقي وفعال.

ثالثاً: الشخصية الاعتبارية

أي مؤسسة لها اسم قانوني تُعد شخصية اعتبارية، مثل:

الدولة، الوزارة، الولاية، المحافظة، المحلية، الوحدة الإدارية، الجامعة، الشركة.

فهي شخص من الناحية القانونية، لكنها ليست إنساناً أو شخصاً طبيعياً.

ماذا تعني الحصانة بالنسبة للشخصية الاعتبارية؟

الحماية القانونية للشخصية الاعتبارية تعني حماية أموال المؤسسة وممتلكاتها من الحجز أو المصادرة أو التصرف فيها بواسطة أفراد، إلا وفقاً للقانون والإجراءات القضائية المقررة.

ماذا يحدث في الأنظمة المتسلطة والباطشة؟

للأسف، في الأنظمة التي لا تحترم سيادة القانون، تكون القوانين في كثير من الأحيان نظرية وموجودة على الورق فقط.

وقد تستخدم السلطة أموال الدولة وكأنها حق شخصي لها، أو تصادر ممتلكات المؤسسات بحجة المصلحة العامة، دون اللجوء إلى المحكمة، أو تقوم بتجميد حسابات جامعات أو بنوك أو منظمات معارضة.

وهذا يعني أنه لا توجد حصانة حقيقية للشخصية الاعتبارية إلا بوجود قضاء مستقل، ودستور محترم، ومؤسسات تلتزم بالقانون.

وبغير ذلك تصبح الشخصية الاعتبارية ضعيفة جداً أمام الشخصية الطبيعية للحاكم أو صاحب السلطة.

رابعاً: ما هي الحصانة الدستورية؟

الحصانة الدستورية هي الحماية التي يمنحها الدستور لشخص معين بسبب منصبه، حتى يتمكن من أداء مهامه واختصاصاته دون خوف أو ترهيب.

خامساً: ما هي الحصانة الإجرائية؟

الحصانة الإجرائية، أو حصانة إجراءات التقاضي، تعني أنه لا يمكن القبض على الشخص أو اتخاذ إجراءات المحاكمة بحقه بصورة مباشرة، وإنما لابد من اتباع إجراءات وخطوات محددة قبل اتخاذ تلك الإجراءات.

كيف يتم الإجراء؟

على سبيل المثال، إذا كان المطلوب اتخاذ إجراءات قانونية ضد وزير أو والٍ أو محافظ، فلابد من اتباع الخطوات المقررة قانوناً، ومنها:

تقديم طلب لرفع الحصانة إلى الجهة المختصة.

تقوم الجهة المختصة بالنظر في الطلب والتصويت عليه بالموافقة أو الرفض، بحسب النظام القانوني القائم.

في حالة الموافقة، تبدأ النيابة في إجراءات التحقيق وفقاً للقانون.

سادساً: الفرق بين الحصانة الدستورية والحصانة الإجرائية

على سبيل المثال:

عضو البرلمان: يكون محمياً بالحصانة المقررة له وفقاً للدستور والقانون.

الحصانة الإجرائية: تحمي الشخص من القبض عليه أو اتخاذ إجراءات المحاكمة بحقه بصورة مباشرة، إلى حين استكمال الإجراءات القانونية اللازمة.

تكييف القانون في الإجراءات الجنائية وما يتعلق بحصانات كبار الموظفين

يمكن أخذ نموذج من قانون تنظيم الحكم اللامركزي لسنة 2020م وقانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991م.

أولاً: قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991م

القانون لم ينص على حصانة الوالي بصورة مستقلة، ولكنه عالج إجراءات اتخاذ الإجراءات الجنائية ضد كبار الموظفين في المادتين (47) و(48).

المادة (47): إذن المحاكمة لكبار الموظفين

لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية ضد أي من:

أ/ رئيس الجمهورية ونائبه.

ب/ رئيس القضاء ونائبه وقضاة المحكمة العليا.

ج/ رئيس مجلس الوزراء والوزراء الاتحاديين وولاة الولايات.

د/ أي شخص آخر يحدده رئيس الجمهورية بأمر، إلا بإذن من رئيس الجمهورية.

المادة (48): إجراء الحصول على الإذن

يقدم طلب الإذن المنصوص عليه في المادة (47) إلى رئيس الجمهورية، مسبباً ومرفقاً بالتحريات الأولية.

يفصل رئيس الجمهورية في الطلب خلال (30) يوماً من تاريخ تقديمه، فإذا انقضت المدة ولم يصدر قرار، اعتُبر ذلك رفضاً للإذن.

الوالي داخل في فئة كبار الموظفين

وبناءً على ذلك، فإن الوالي يدخل ضمن فئة كبار الموظفين الذين حدد القانون إجراءات خاصة لاتخاذ الإجراءات الجنائية بحقهم.

أي أن النيابة أو الشرطة لا تستطيع فتح بلاغ أو القبض على الوالي إلا بعد الحصول على الإذن المقرر قانوناً من الجهة المختصة، وفقاً للنظام الدستوري والقانوني السائد.

وفي حال تم القبض دون الحصول على الإذن المطلوب، فإن ذلك يثير مسألة بطلان الإجراء وفقاً للقانون.

ثانياً: قانون تنظيم الحكم اللامركزي لسنة 2020م

وهو القانون الذي ينظم العلاقة بين مستويات الحكم، ومن أهم ما جاء فيه:

المادة (13): تعيين وعزل الوالي

يعين رئيس الوزراء والي الولاية ويعفيه من منصبه.

وهذا يعني أن الوالي، من الناحية الإدارية، تابع لرئيس مجلس الوزراء، وبالتالي فإن أي مساءلة جنائية بحقه تمر عبر الإجراءات التي يحددها القانون والجهة المختصة.

المادة (16): اختصاصات الوالي

الوالي هو الرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية في الولاية، وبسبب طبيعة المنصب وما استقر عليه العرف القانوني والإداري، يجري التعامل معه باعتباره يتمتع بحصانة إجرائية وفقاً للأحكام القانونية ذات الصلة.

المادة (21): المساءلة

يخضع الوالي للمحاسبة أمام المجلس التشريعي الولائي طبقاً للقانون.

وهذا يعني وجود مساءلة سياسية، إلى جانب المساءلة الجنائية، مع مراعاة أن المساءلة الجنائية تستلزم اتباع الإجراءات القانونية المقررة للحصول على الإذن.

ثالثاً: كيف يتم التطبيق عملياً؟

إذا كان هناك بلاغ ضد والي ولاية جنوب دارفور، على سبيل المثال، فإن الإجراءات تكون وفق الآتي:

تقوم النيابة بالتحري المبدئي وجمع الأدلة.

يتم رفع الطلب إلى الجهة المختصة، مسبباً ومرفقاً بالتحريات الأولية.

تقوم الجهة المختصة باتخاذ القرار خلال المدة المحددة قانوناً، بالموافقة على رفع الحصانة أو رفض الطلب.

بعد الموافقة، تقوم النيابة باتخاذ الإجراءات القانونية، بما في ذلك إصدار أمر القبض وتحريك الدعوى الجنائية، وفقاً للقانون.

في حالة التلبس

حتى في حالة ضبط الشخص متلبساً، فإن الإجراءات الخاصة بالحصانة الإجرائية تظل محل اعتبار وفقاً للقانون، ويتم التحفظ عليه وإخطار الجهة المختصة فوراً، ولا يتم التعامل معه باعتباره شخصاً عادياً من دون مراعاة الإجراءات القانونية المقررة.

فالحصانة الإجرائية لا تعني سقوط الجريمة، وإنما هي حماية مرتبطة بالإجراءات أثناء شغل المنصب.

وبالتالي، فإن انتهاء المنصب أو رفع الحصانة، وفقاً للإجراءات القانونية، لا يعني سقوط المسؤولية الجنائية، وإنما يمكن أن تستمر إجراءات المحاكمة وفقاً للقانون.

رابعاً: ما هي حصانة منسوبي النقابات والاتحادات المهنية والعمالية في السودان؟

القانون السوداني لم يمنح النقابيين حصانة مطلقة كتلك المرتبطة ببعض شاغلي المناصب الدستورية، مثل الوالي أو الوزير، ولكنه منحهم حماية إجرائية وموضوعية تساعدهم على أداء أعمالهم النقابية دون ترهيب أو تدخل غير مشروع.

1. الأساس القانوني

أ/ قانون تنظيم النقابات لسنة 2010م وتعديل 2019م

ومن أهم المواد التي تحمي النقابيين المادة (19) المتعلقة بحماية القيادات النقابية، والتي تقرر، من بين أمور أخرى:

لا يجوز لصاحب العمل فصل أو نقل أو معاقبة أو التمييز ضد أي عضو نقابي بسبب نشاطه النقابي.

لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية أو مدنية ضد عضو المكتب التنفيذي للنقابة بسبب أي رأي أو تصريح أو عمل قام به بحسن نية وفي إطار عمله النقابي.

ب/ قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م

لا يذكر القانون النقابيين ضمن الفئات الواردة في المادة (47) باعتبارهم من أصحاب الحصانات الخاصة، ولكن توجد حماية غير مباشرة من خلال القواعد المتعلقة بحسن النية وأداء الواجب كدفوع قانونية.

فإذا قام النقابي بعمل في إطار النشاط النقابي المشروع وبحسن نية، فإن ذلك يمكن أن يكون محل دفع قانوني وفقاً للظروف والنصوص واجبة التطبيق.

خامساً: الوثيقة الدستورية لسنة 2019م وتعديل 2020م

تكفل المادة (52) حرية تكوين النقابات والاتحادات المهنية والعمالية، وحقها في الإضراب والتفاوض الجماعي.

وهذه الضمانات تؤكد أهمية استقلال العمل النقابي وضرورة عدم التدخل في ممارسته المشروعة.

سادساً: حصانة النقابات والاتحادات المهنية والعمالية في مشروع الدستور الانتقالي لسنة 2025م

هل نص مشروع الدستور الانتقالي لسنة 2025م على ما يتعلق بالنقابات والاتحادات العمالية؟

الإجابة: نعم، فقد نص على ضمانات تتعلق بالنقابات والاتحادات العمالية.

ففي الباب الثاني من مشروع الدستور الانتقالي لسنة 2025م، الخاص بوثيقة الحقوق والحريات الأساسية، وتحت المادة (32)، الفقرة (2)، ورد تنظيم النقابات والاتحادات العمالية.

وقد تبنى المشروع معايير اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (87) لسنة 1948م.

ومن أهم ما ورد:

1. الحق في التنظيم

تكفل الدولة حرية تكوين النقابات والاتحادات المهنية والعمالية، والانضمام إليها دون ترخيص مسبق.

2. الاستقلال

تمتنع السلطات العامة عن أي تدخل من شأنه الانتقاص من هذا الحق أو عرقلة ممارسته بصورة مشروعة.

3. منع الحل الإداري

لا يجوز حل منظمات العمال وأصحاب العمل أو تعليق نشاطها بقرار إداري، وهذه من أهم ضمانات حماية الشخصية الاعتبارية واستقلالها.

4. حق تكوين الاتحادات

لمنظمات العمال وأصحاب العمل حق تكوين الاتحادات والاتحادات التحالفية والانضمام إليها.

سابعاً: هل استخدم مشروع الدستور الانتقالي لسنة 2025م لفظ «الحصانة النقابية»؟

مشروع الدستور الانتقالي لسنة 2025م لم يستخدم، بحسب هذا الطرح، لفظ «حصانة النقابي» بصورة مباشرة في النص، ولكنه أورد مجموعة من ضمانات الحماية النقابية، وهي في جوهرها تؤدي وظيفة الحماية التي يُقصد بها مفهوم الحصانة النقابية.

فالحصانة النقابية تعني حماية القادة النقابيين من بطش صاحب العمل أو السلطة الإدارية، وتمكينهم من أداء أدوارهم النقابية، وحمايتهم من النقل أو الندب أو الفصل بسبب النشاط النقابي، إلى جانب حماية ممتلكات ومقرات النقابات والحد من التدخلات الإدارية غير المشروعة.

وفي القانون المقارن، يمكن أن تأخذ هذه الحماية صوراً متعددة، منها ألا يجوز وقف عضو مجلس إدارة المنظمة النقابية عن العمل في المنشأة التي يتبع لها، احتياطياً أو تأديبياً، إلا بناءً على قرار أو حكم من السلطة القضائية المختصة.

الخلاصة

إن بناء دولة القانون لا يتحقق بمجرد وجود النصوص القانونية، وإنما يتحقق عندما تصبح هذه النصوص ممارسة فعلية داخل مؤسسات الدولة.

فـسيادة القانون، واستقلال القضاء، وفصل السلطات، واستقلال المؤسسات، ووجود نظام حقيقي للمساءلة، هي الضمانات الأساسية التي تجعل الشخصية الاعتبارية للمؤسسات، والحصانات المقررة لشاغلي بعض المناصب، والحماية النقابية، ضمانات حقيقية وليست مجرد نصوص مكتوبة على الورق.

وفي النهاية، فإن قوة الدولة لا تقاس بقوة الأشخاص، وإنما بقوة المؤسسات والقانون، وبمدى خضوع الجميع لأحكامه دون تمييز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!