تحالف تأسيس بين الحقيقة والخيال .. الرد على تساؤلات الشارع السوداني الباحث عن الخلاص
د. عبدالرحمن العمرابي

د. عبدالرحمن العمرابي
في وطن أنهكته الحروب والانقلابات، وتقطّعت فيه أوصال الدولة تحت سطوة مشروع إسلاموي متوحّش، تحوّل الدين فيه إلى وسيلة قمع، والوطن إلى سوق مفتوح للبيع، والشعب إلى ضحايا في زنازين القهر والتكفير—يبرز تحالف تأسيس كحالة سياسية غير مسبوقة: حالة وعي، وحالة تجديد، بل حالة خلاص.
اليوم، تتراكم الأسئلة في شوارع السودان وقراه، بين لاجئ ومهجّر، وبين أمّ ثكلى وشاب مطارد.
من أنتم؟ وماذا بعد؟
هذه الأسئلة ليست ضعفًا، بل عطشًا للمعرفة، وتوقًا إلى البديل، بعد أن انكشف زيف الإسلامويين، وتهاوت أقنعتهم، واتضح مشروعهم كامتداد للخط الإيراني والكيانات الإرهابية العالمية التي ترتدي ثوب الدين زورًا وبهتانًا، وتُقصي كل من لا يتفق معها فكريًا أو مذهبيًا.
خارطة الطريق: ما بعد الميثاق
إن الوثيقة الدستورية لتحالف تأسيس لم تأتِ من فراغ، بل هي خلاصة مشاورات ونقاشات طويلة، شارك فيها أبناء وبنات السودان من كل الأقاليم. وقد جسّدت تلك الوثيقة مطالب ثوار ديسمبر الذين هتفوا:
“كل البلد دارفور”
“يا عسكري يا مغرور”
“كل كوز ندوسو دوس”
مطالبين بسودان جديد لا مركزي، علماني، تعددي، ديمقراطي.
ومَن يظن أن هذا حلمٌ بعيد المنال، فليعلم أن الخطوات العملية قد بدأت بالفعل، ابتداءً من إطلاق الإذاعة الوطنية، إلى تشكيل اللجان الإقليمية، إلى بناء مسارات شاملة تضع كل إقليم في قلب الحراك الوطني عبر أبنائه لا الوكلاء المفروضين عليه.
السودان الحديد: وحدة الأضداد من أجل الوطن
نحن أمام ما يمكن تسميته بـ”وحدة الأضداد”:
تحالف المدني والمسلح، المركز والهامش، القبيلة والمدينة، الشيخ والشاب، المرأة والرجل، تحت راية واحدة:
بناء وطن لا سلطان فيه لفكر تكفيري أو سلالة حاكمة أو نخبة محتكرة.
وهنا، تظهر لجان المقاومة كركيزة أساسية. لقد عانوا، قدموا الشهداء، وتعرضوا للخذلان، لكن لم يُكسروا.
فلتنهض هذه اللجان مجددًا، ولتلتحق بالمشروع الذي صُمّم من أجلهم، لا من فوقهم.
الإسلامويون: مشروع استعباد لا دعوة إصلاح
لم تعد التهم رمادية.
فإسلاميّو السودان باتوا اليوم حلفاء طهران ومليشيات الإرهاب الإقليمي، يتاجرون بالدين في العلن، ويبيعون السيادة الوطنية في الخفاء.
لقد دمروا الدولة، وشرذموا الشعوب، ونهبوا الثروات.
النفط والذهب، الزرع والماء، الميناء والبحر، كلها أصبحت مشاريع بيع للتمويل الخارجي مقابل دعم بقائهم في السلطة.
إنهم لا يمثلون الإسلام، ولا يمثلون السودان، بل يمثلون أنفسهم ومصالح داعميهم.
نحو مستقبل تُكتب فيه قصة السودان من جديد
ما هو قادم أكثر إثارة ممّا مضى.
فمع تكوين حكومة السلام والوحدة الانتقالية، سيمضي السودان نحو مرحلة التحول إلى نظام ديمقراطي لا مركزي، فدرالي، علماني، يحتكم فيه الجميع إلى دستور مدني، وتُدار فيه الثروات بشفافية وعدالة.
والأهم من ذلك، أن تسليم الراية للشباب سيتم من خلال خارطة طريق واضحة، تنقل الثورة من لحظة الرفض إلى لحظة البناء، من الصيحة إلى المشروع، من الحلم إلى الدولة.
تحالف تأسيس ليس خيالًا، بل إرادة متجذرة في تربة هذا الوطن.
ليس تكرارًا للماضي، بل قَطْع مع كل ما أنتج الكارثة.
وهو ليس حراك نخبة معزولة، بل انبثاق مشروع قاعدي تقوده شعوب السودان لا وكلاؤها.
فلتُفتح الأبواب، ولتنكسر قيود الصمت،
ولينهض من بقي حاملاً حلم الحرية والسلام والعدالة،
ليكتب مع الآخرين فصلًا جديدًا من تاريخ السودان،
هذه المرة بلا استبداد، ولا تكفير، ولا استعباد.




