حين تتكلم الجغرافيا ويصمت الوكلاء: النور حمد وفضح سردية الهيمنة المصرية على السودان
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة
أخطر أشكال الاستعمار أن يتحول الوكيل إلى واعظ، وأن يصبح الدفاع عن التبعية فضيلة تُلقى على الشعوب باسم الأخوة والتاريخ
حين تخاف النخب من الحقيقة، تتحول الجغرافيا إلى تهمة، ويصبح التاريخ نفسه مادةً للإنكار

لم يكن تعليق أحمد السنجك على كتاب الدكتور النور حمد “الهيمنة المصرية على السودان: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع” مجرد اختلاف فكري أو سجال سياسي عابر، بل كان نموذجًا مكشوفًا للعقلية التي ظلت لعقود طويلة تبرر التبعية وتعيد إنتاج خطاب الوصاية على السودان باسم “الأخوة” و”المصير المشترك”. وهي ذات العقلية التي كلما طُرحت أمامها أسئلة السيادة والاستقلال الوطني، هربت إلى الشعارات العاطفية واللغة الإنشائية، بدل مواجهة الوقائع والحقائق الصلبة.
فالسنجك لم يناقش جوهر الكتاب، ولم يقترب من الأسئلة التي أثارها النور حمد حول طبيعة الدور المصري في السودان، بل اختار الطريق الأسهل: تخوين كل من ينتقد السياسة المصرية، وتصوير أي حديث عن الهيمنة باعتباره دعوة للكراهية أو قطيعة مع الشعب المصري.
وهذه في حد ذاتها مغالطة فكرية وأخلاقية كبرى، لأن الفرق واضح بين نقد الدولة المصرية الرسمية وسياساتها تجاه السودان، وبين العداء للشعب المصري أو إنكار العلاقات التاريخية والاجتماعية بين الشعبين. فلا أحد ينكر عمق الروابط الإنسانية والثقافية بين السودان ومصر، ولا أحد يجادل في أن ملايين السودانيين وجدوا في مصر ملاذًا خلال الحرب. لكن السؤال الذي يرفض السنجك وأمثاله الإجابة عنه هو: هل تتحول هذه العلاقات الإنسانية إلى صك براءة دائم للسياسات المصرية؟ وهل يصبح مجرد نقد الدور المصري في السودان جريمة سياسية وأخلاقية؟
الحقيقة التي يحاول البعض دفنها تحت ركام الخطاب العاطفي هي أن مصر الرسمية ظلت، منذ استقلال السودان وحتى اليوم، تنظر إلى الخرطوم باعتبارها ساحة نفوذ لا شريكًا متكافئًا. وهذه ليست مزاعم دعائية، بل حقائق سياسية تؤكدها طبيعة العلاقة بين القاهرة والنخب العسكرية السودانية عبر العقود.
لقد دعمت القاهرة، بصورة مباشرة وغير مباشرة، كل الأنظمة التي حافظت على السودان ضعيفًا وممزقًا وتابعًا. ولم يكن ذلك حبًا في السودان أو حرصًا على استقراره، بل لأن الدولة السودانية القوية والمستقلة تمثل، في الحسابات التقليدية للمؤسسة الحاكمة في مصر، تهديدًا استراتيجيًا لمعادلات النفوذ القديمة، خاصة في ما يتعلق بملف مياه النيل والحدود والتوازنات الإقليمية.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تقف القاهرة دائمًا مع الأنظمة العسكرية ضد التحولات المدنية والديمقراطية. فالديمقراطية بالنسبة للعقل السياسي المصري الرسمي ليست نموذجًا مرحبًا به في السودان، لأنها تنتج قرارًا وطنيًا مستقلًا، بينما يضمن الحكم العسكري استمرار النفوذ والتحكم غير المباشر.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة الخاصة التي ربطت عبد الفتاح البرهان بالقاهرة منذ اندلاع ثورة ديسمبر. فمنذ اللحظة الأولى لنجاح الثورة السودانية، بدا واضحًا أن النظام المصري ينظر بقلق إلى الحراك الشعبي السوداني، خاصة بعد أن تحولت الثورة إلى نموذج ملهم لشعوب المنطقة.
ثم جاءت جريمة فض اعتصام القيادة العامة، تلك المجزرة التي هزت ضمير العالم، لتكشف طبيعة المشروع المضاد للثورة. فبعد زيارة البرهان للقاهرة عاد المشهد السوداني محمّلًا بمنطق أمني دموي يعيد إلى الأذهان تجربة رابعة العدوية في مصر، وكأن المطلوب كان إرسال رسالة واضحة مفادها أن أي مشروع مدني ديمقراطي في السودان يجب أن يُدفن بالقوة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك. فبعدها جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليقضي على ما تبقى من المرحلة الانتقالية، ثم جاءت حرب 15 أبريل لتدفع السودان إلى حافة الانهيار الكامل. وفي كل هذه المحطات كانت القاهرة منحازة بصورة واضحة إلى المؤسسة العسكرية السودانية، سياسيًا وإعلاميًا وأمنيًا.
إن الحديث عن الدعم المصري للجيش السوداني ليس اختراعًا دعائيًا، بل حقيقة تناولتها تقارير وتحليلات ومواقف معلنة. فالقاهرة لم تُخفِ يومًا عداءها لقوات الدعم السريع، خاصة بعد مواقف الأخيرة المتعلقة بالتحول المدني وإعادة هيكلة السلطة. وقد عبّر عبد الفتاح السيسي نفسه، قبل الحرب، عن رفضه لوجود قوات الدعم السريع بوصفها “قوة عشائرية وقبلية”، في خطاب يكشف بوضوح طبيعة الانحياز المصري.
كما أن استضافة شخصيات مثل صلاح قوش وطاهر إيلا وقيادات إسلامية مطلوبة سياسيًا، وتحول القاهرة إلى مركز للنشاط الإعلامي والسياسي للفلول، يوضح حجم العلاقة بين النظام المصري وبقايا المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية السودانية.
لكن الأخطر في خطاب السنجك ليس فقط تزييف الوقائع، بل محاولته تصوير أي نقد للدور المصري باعتباره مؤامرة ضد “وحدة وادي النيل”. وهي لغة قديمة تنتمي إلى زمن الوصاية السياسية، لا إلى زمن الدول المستقلة والشعوب الواعية.
فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بالأغاني الوطنية ولا بالشعارات الرومانسية عن “النيل الواحد”، بل بحجم الاحترام المتبادل للسيادة والمصالح. والسودان ليس تابعًا سياسيًا لأحد، ولا حديقة خلفية لأي نظام إقليمي مهما كانت الروابط التاريخية.
ثم إن السؤال الجوهري الذي يهرب منه السنجك يظل قائمًا: لماذا كانت مصر دائمًا أقرب إلى النخب المركزية والعسكرية التي حكمت السودان بالقهر والإقصاء؟ ولماذا لم تدعم يومًا مشروعًا سودانيًا حقيقيًا قائمًا على الديمقراطية والمواطنة المتساوية والتنمية المستقلة؟
الإجابة واضحة لكل من يقرأ التاريخ بلا خوف: لأن بقاء السودان ضعيفًا وممزقًا كان دائمًا أكثر انسجامًا مع الحسابات التقليدية للدولة المصرية.
إن النور حمد لم يفعل شيئًا سوى أنه فتح ملفًا ظل محاطًا بالصمت والخوف لعقود طويلة. لقد حاول أن يعيد للسودانيين حقهم في التفكير الحر بشأن علاقتهم بمصر، بعيدًا عن الابتزاز العاطفي وسرديات “الأخ الأكبر”.
ولهذا جاء الهجوم عليه بهذه الحدة، لأن أخطر ما يفعله المفكر الحقيقي ليس أنه يهاجم السلطة، بل أنه يكشف البنية الذهنية التي تجعل الناس يقبلون الهيمنة وهم يظنونها قدرًا تاريخيًا.
السودان اليوم لا يحتاج إلى نخب مدجنة تعيش داخل النصوص القديمة وتعيد تكرار خطابات التبعية، بل يحتاج إلى وعي جديد يعيد تعريف المصالح الوطنية، ويؤسس لعلاقات خارجية قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
فلا مصر عدوة للسودان كشعب، ولا السودان مطالب بالعداء لمصر، لكن من حق السودانيين أن يناقشوا بصراحة وجرأة طبيعة الدور المصري في أزماتهم، وأن يرفضوا تحويل هذا النقاش إلى تهمة سياسية أو خيانة قومية.
لأن الأوطان التي تخاف من قول الحقيقة، تتحول مع الوقت إلى خرائط بلا سيادة، وإلى شعوب تعيش داخل تاريخ يكتبه الآخرون نيابة عنها.




