البرهان ملك المتناقضات .. هل يملك قدرة المسير

سيبويه يوسف
وضع البرهان نفسه اليوم امام عين العاصفة بعد ان اختار اداء المشهد الأخير حالما بتحقيق حلم أبيه بعد مسيرة من الحيل والتجاذبات واللعب علي المتناقضات ليقف اليوم بما يظنها الحلقة الاخيرة
منذ أن ظهر عبد الفتاح البرهان في واجهة المشهد السوداني عقب سقوط عمر البشير في أبريل 2019، ظل الرجل يطلق التصريحات والوعود، ويتحدث عن الانتقال الديمقراطي، وتسليم السلطة للشعب، وخروج المؤسسة العسكرية من السياسة، ثم عن الانتخابات والسلام والحوار.
اليوم، وبعد أكثر من سبع سنوات، يمكن العودة إلى ذلك الأرشيف الرقمي ووضع الأقوال بجوار الأفعال.
في أبريل 2019، قال البرهان إن المجلس العسكري «ملتزم بتسليم السلطة للشعب»، وإنه يريد «تسليم الإدارة لحكومة مدنية». وتظاهر بانحيازه للشارع وبل ردد هتافات الثوار
بعد أشهر، وُقعت الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، وأُنشئ مجلس سيادة مختلط، بنظام انتقالي حُددت له مدة 39 شهرًا، على أن تنتقل رئاسة المجلس إلى شخصية مدنية في نوفمبر 2021.
لكن نوفمبر 2021 لم يأتِ كما رسمته الوثيقة.
في 25 أكتوبر، حل البرهان مجلسي السيادة والوزراء، وأعلن حالة الطوارئ، وعلّق مواد من الوثيقة الدستورية، وقدم خطوته باعتبارها «تصحيحًا لمسار الثورة».
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية في سجل الأقوال والأفعال.
فالرجل الذي تحدث في 2019 عن تسليم السلطة للمدنيين، أصبح في 2021 صاحب القرار في إعادة ترتيب السلطة وتعليق أجزاء من الإطار الدستوري الذي قامت عليه الشراكة الانتقالية.
ثم جاء اتفاق 21 نوفمبر 2021 مع عبد الله حمدوك، متضمنًا التأكيد على الوثيقة الدستورية والإعداد للانتخابات، التي كان يفترض أن تضع البلاد على طريق نهاية المرحلة الانتقالية.
وفي فبراير 2022، قال البرهان بوضوح إن السلطة لن تُسلَّم إلا لمن يأتي عبر الانتخابات أو التوافق السياسي.ويعلم جيدا انه يمضي في طموحه الشخصي
لكن الانتخابات لم تأتِ
ثم اشعل الحرب في أبريل 2023، بمعاونة فلول النظام السابق لتفتح فصلًا آخر أكثر تعقيدًا، ويتحمل البرهان وحده مسؤولية كل ما جرى، باعتباره مسؤولًا عن قراراته ومواقفه وتصريحاته بوصفه رأس المؤسسة العسكرية ورئيس الدولة.
واللافت أن الحرب نفسها لم تُنهِ لغة الوعود؛ بل أعادت إنتاجها في صيغ جديدة: حسم عسكري، سلام، عودة النازحين، حكومة، حوار، وانتقال سياسي.
وفي أغسطس 2026، عاد البرهان ليعلن حوارًا سودانيًا شاملًا، مؤكدًا انفتاحه على مبادرات السلام، مع رفض عودة الدعم السريع إلى السلطة. يعلم تماما انه يراوغ لا غير
وهكذا تبدو أمامنا مفارقة تستحق التوقف:
الخطاب يتغير، لكن السؤال واحد: متى يتحول الوعد إلى واقع؟
الإنصاف يقتضي القول إن بعض الوعود تعطلت بسبب الحرب، وبعضها اصطدم بانقسامات القوى السياسية، وبعضها كان مرتبطًا بشركاء لم يلتزموا هم أيضًا بما اتُفق عليه. وليس من العدل تحويل كل تأخير أو فشل إلى كذب.
لكن هناك فرقًا بين وعد تعذر تنفيذه، وموقف تغير صاحبه عنه، وتصريح يناقض ممارسة لاحقة.
وهذا هو الميزان الذي ينبغي أن نضع فيه تجربة البرهان.
ليس السؤال: هل نحب البرهان أم نكرهه؟
ولا: هل نؤيد الجيش أم نعارضه؟
السؤال ببساطة:
ماذا قال الرجل عندما كان يريد شيئًا، وماذا فعل بعدما امتلك القدرة على فعله؟
فالسلطة لا تُقاس فقط بما تقوله في الخطب، وإنما بما تفعله حين تصبح القرارات في يده .




