رأي

سودانٌ يُختَطَف في العلن: كيف قاد الإسلام السياسي البلاد إلى نفقٍ بلا ضوء

عبدالرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا

 

 عبد الرحمن أبو رندة … بنسلفانيا

على امتداد عقود طويلة، لم يعرف السودان اختبارًا أشد وطأةً على دولته ومجتمعه وثقافته من التجربة التي فرضتها عليه حركات الإسلام السياسي. تجربةٌ لم تترك مجالًا إلا وامتدت إليه، ولم تُبقِ ركنًا في الدولة إلا وزلزلته، حتى انتهى السودان إلى ما يشبه النفق المظلم الذي لا تُرى نهايته. ففي الوقت الذي كانت فيه الشعوب تبحث عن نماذج حديثة للتنمية، والخروج من أسر التخلف والسلطويات، كان السودان يُساق — قسرًا — إلى مسار مغاير تمامًا؛ مسار يتغذى على الأيديولوجيا لا على التنمية، وعلى الإخضاع لا على المشاركة، وعلى الوهم لا على الرؤية.

“من لا يملك مشروعًا للحياة، يصنع للناس مشروعًا للخوف.”

في قلب هذه المأساة تمدّدت جماعاتٌ رفعت شعار الدين، لكنها لم تُقدّم نموذجًا يليق بقيمه أو بآمال الناس. بدلًا من بناء دولةٍ قادرة، زُرعت في مؤسسات الحكم بذور رأسمالية طفيلية، اتخذت من السلطة موردًا للثراء ومن الوطن حقلًا للاستثمار السياسي. هذه الرأسمالية لم تكن تعمل وفق قوانين الاقتصاد، بل وفق قوانين الولاء والانتماء، ففسدت حتى نخاعها، وأفسدت معها كل ما لامسته. لم يكن هناك مشروعٌ حقيقي للتنمية أو لإقامة دولة قانون أو لترسيخ حياة سياسية صحية، بل كانت السلطة تُدار بمنطق الغنيمة، والاقتصاد بمنطق الجباية، والمجتمع بمنطق الإقصاء.

ولأن الفراغ الفكري والثقافي كان عميقًا، وجدت التيارات السلفية والاتجاهات التكفيرية بيئةً مثالية للتكاثر. لم يكن المشهد مجرد سيطرة سياسية، بل كان محاولة لإعادة صياغة المجتمع نفسه: تصورٌ مغلق للعالم، كلمة واحدة لا ثانية لها، وفهم واحد لا يُقبل غيره. اختُزل الدين في شعارات، واختُزل الوطن في جماعة، واختُزل الإنسان في تابع.

“الظلم لا يبدأ بسوطٍ يجلد؛ يبدأ بكلمةٍ تُكفّر، وبوطنٍ يُختزل في رأي واحد.”

ومع هذا الانغلاق، كان طبيعيًا أن تتراجع القيم الثقافية التي شكّلت عبر قرون هُوية السودان المتعددة والمتنوعة. جرى التعامل مع الموروث السوداني — من حضاراته القديمة، إلى ثقافة نوبه المسيحية، إلى تعدد أعراقه ومسارات تاريخه — باعتباره «جاهلية» يجب تجاوزها. لم يكن ذلك مجرد رأي فكري، بل سياسة منهجية لإضعاف كل ما يمكن أن يقف في وجه مشروع الهيمنة الأيديولوجية. كان المشهد أقرب إلى محاولة ناعمة — لكنها خطيرة — لمحو الذاكرة وإعادة كتابة الهوية.

في غياب الرؤية، غابت التنمية. وفي غياب التنمية، تعمّق الفقر وانكمش الاقتصاد، بينما ظل الحديث عن “المشاريع الإسلامية” مجرّد ستار. لا البنوك الإسلامية حققت عدالة، ولا نظم الجباية قدمت تنمية، ولا الشعارات رفعت من قيمة الإنسان. بقي المواطن يزداد فقرًا، والدولة تزداد هشاشة، والمجتمع تزداد فيه الانقسامات.

ولم يقتصر الخلل على الاقتصاد أو الثقافة، بل تمدد إلى السياسة التي تحولت إلى ساحة عنف. كانت لغة الإقصاء تقود إلى ممارسات العنف، والعنف يقود إلى احتكار السلطة. هكذا أصبح المناخ السياسي ملوثًا بثقافة التخوين، والطلاب في الجامعات هدفًا للعنف المنظم، والأحزاب تتعرض لاعتداءات، والنقاش العام يُختزل في معركة وجود لا في تنافس برامج.

 “حين تُستدعى عصا الدين لحماية السلطة، يُفقَد الدين وتنهار السلطة.”

ومع كل هذا التراكم، لم يكن غريبًا أن يتفاقم الشرخ الوطني، وأن تتحول الحروب من صراعات سياسية إلى صراعات دينية، وأن تتعمق الجراح حتى بات السودان بلدًا يحاول أن يتذكر نفسه فلا يستطيع. خرجت الأقاليم من دائرة الدولة، وتفككت المجتمعات، وتحوّل النزاع إلى طوفان لا يرحم.

اليوم، حين ينظر السودانيون إلى الخراب الممتد، لا يبحثون عن لومٍ، بل عن فهم. كيف وصلت البلاد إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن إنقاذ ما تبقى؟ والإجابة تبدأ من الاعتراف بأن التجربة التي دخلها السودان لم تكن تنموية ولا دينية ولا حضارية، بل كانت مشروعًا لا يملك مقومات الحياة، فكان طبيعيًا أن يهدم أكثر مما يبني، وأن يعزل أكثر مما يوحّد، وأن يقود البلاد — في نهاية المطاف — إلى واحدة من أعتى أزماتها في التاريخ الحديث.

إن الخروج من النفق لن يكون سهلاً، لكنه يبدأ بالاعتراف بقبح التجربة وبثمنها الباهظ، وبأن السودان بحاجة إلى مشروع وطني جديد، مشروع يستعيد الإنسان، ويستعيد الدولة، ويعيد للبلاد حقها الطبيعي في الحياة والضوء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!