رأي

خطاب الكراهية وأزمة المواطنة في السودان، من صناعة الآخر إلى إعادة تأسيس الدولة على أساس المواطنة:

عبدالله ديدان

عبدالله ديدان 

لم يعد خطاب الكراهية في السودان مجرد ظاهرة لغوية أو تعبيرات متطرفة تتداول في لحظات التوتر السياسي والإجتماعي، بل أصبح أحد أخطر مظاهر أزمة الدولة والمواطنة، فالكلمات التي تصف جماعة بأنها أقل إنسانية وتحضرا أو تشكك في أصلها السوداني أو تربط الإنتماء الوطني بالعرق أو القبيلة أو الجهة، لا تبقى في المجال الرمزي، إذ يمكن أن تتحول إلى تعبئة سياسية وإجتماعية وتحريض على العنف وتبرير للإقصاء والقتل والتهجي،حيث كشفت حرب أبريل 2023 الجارية فى بلادنا، بصورة أكثر حدة عن هذا الخطر، فقد وثقت تقارير كثيرة تصاعد خطاب الكراهية والتحريض على العنف على أساس إثني وجهوي وحذرت من أن (تأثين) الصراع أي ربطة بالإثنيات، في ظل تاريخ طويل من التمييز وعدم المساواة، يمثل تهديدا خطيرا للتعايش ومستقبل الإستقرار المنشود في السودان، الشئ الذي يجعلنا نتسائل، لماذا انتشر خطاب الكراهية حتي أصبح الانتماء إلى السودان نفسه موضوعا قابلا للنزاع، أي لماذا باتت شعوب سودانية بأكملها عليها البحث عن إثبات سودانيتها نفسها، مما جعل أزمة خطاب الكراهية تلتقي مع أزمة المواطنة.

لذلك خطاب الكراهية الشائع بصورة خطيرة فى بلادنا ليس سببا منفصلاًعن أزمة الدولة، فمن الخطأ التعامل مع خطاب الكراهية بإعتباره مجرد مشكلة أخلاقية لدى بعض الأفراد أو مشكلة مرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي فقط، صحيح أن وسائل التواصل ساعدت على إنتشار الخطاب التحريضي والتنميطي، لكنها لم تصنع جذوره، فخطاب الكراهية يجد بيئة خصبة عندما يكون المشروع السياسي والثقافي والإقتصادي والتنموي للدولة نفسه، عاجزةاعن إنتاج مفهوم جامع للمواطنة وعندما يشعر جزء من السكان بأن الدولة لا تمثلهم ولا تقر مواطنتهم على قدم المساواة، هذا يشير الى أن مشكلة المواطنة إرتبطت تاريخيا بطريقة تعريف الدولة للهوية الوطنية، وبالتفاوت في الوصول إلى السلطة والموارد والإعتراف الثقافي والسياسي، بالتالي، فإن خطاب الكراهية يمثل العرض الخطابي لأزمة أعمق، وهي أزمة الدولة في إنتاج مواطن سوداني متساو، مفهوم المواطنة يتأسس أن علاقة الفرد بالدولة تقوم على الحقوق والواجبات وليس على أصله الإثني أو قبيلته أو منطقته أو لغته أو ثقافته أو طبقته الإجتماعية أو المحمولات التاريخية، لكن الأزمة السودانية نشأت عندما أصبحت الهوية الإجتماعية والسياسية منافسا للمواطنة، بل وأحيانا محددا لها، فبدلا من أن يكون كل السودانيين هم مواطنيين سودانيين، أصبح هنالك تعريف آخر مستبطن وأحيانا معلن بوقاحة مدهشة، يستند على التعريف عن طريق القبيلة أو الإقليم، أو ثنائية العروبة والأفريقانية، أو الدين أو القيم الثقافية وغيرها، فكان السودانيين الذين سكنون فى الإقليم الجنوبي إسمهم الجنوبيين وهذه كانت ولازالت، تعني تمييزا ينطوي على دلالات خطيرة ساهمت بفعالية فى إختيار هؤلاء السودانيين الإنفصال، فكانت النخب بكل طبيعة أنشطتها تطلق لفظة الجنوبيين ككفاية لتمييز ليس من ضمن دلالاته المواطنة مطلقا، هذا مثال فقط، وقد رأينا كيف تعاملت حكومة الحركة الإسلامية الإرهابية مع السودانيين من الأقاليم الجنوبية بعد إختيارهم الإنفصال، حتى إنها لم تعترف بمواطنة السودانيين المنحدرين من جذور قبائل وصفت بأنها جنوبية، فلم يتم منحهم الجنسية السودانية وأبعد من ذلك، عند بداية تطبيق الرقم الوطني تم تعطيل إستخراج الرقم الوطني للسودانيين المولودين فى جنوب السودان وهذه أمثلة فقط، والجدير بالملاحظة هنا، هو أن المجتمع السياسي والمدني والحزبي، لم يضع هذا الأمر فى صدر مشروعه المطروح لأسقاط نظام البشير، ولا أعرف قضية يمكن أن تكون وطنية أكثر من مصادرة مواطنة مواطنيين سودانيين بواسطة حكومة، مثل هذا الخلل البنوي يجعل مفهوم المواطنة يفقد مضمونه السياسي والقانوني، مما يضطر المجتمعات إلى أن تبحث كل واحدة منها عن ضمان أمنها وحقوقها من خلال هويتها الخاصة وليس من خلال دولة او مشروع أو مجتمع سياسي، فالمواطنة تصبح ضعيفة المعنى عندما تنحاز الدولة إلى هوية واحدة بدلا من الإعتراف المتساوي بالهويات المتعددة والتنوع الذي تتشكل منه الشعوب السودانية.

هكذا هي طبيعة مثالب الدولة السودانية الموروثة من المستعمر، فنخبها السياسية والثقافية، لم تدرك، بأن خطاب الكراهية يصنع ما يسمي ب (الآخر)، لأن أخطر ما يفعله خطاب الكراهية، أنه لا يكتفي بمهاجمة فرد، بل يحول الفرد إلى ممثل لجماعة كاملة، فإذا حمل سياسيون وعسكريون من مواطني الإقليم الجنوبي السلاح مطالبين بدولة المواطنة، يتحول خطاب النخبة السياسية الى ( أخوانا الجنوبيين ديل إتمردوا) ويجب أن نتوقف هنا فى مفردات (أخوانا) و ( تمردوا)، فوصفهم بأنهم إخواننا، هي مفردة لها دلالة سلبية مناقضة لمفهوم المواطنة، فهذا توصيف ينبغي ألا يصدر من نخب سياسية، لأن صفتهم الرسمية هي أنهم مواطنيين سودانيين وليسوا إخوانا لأحد، كم أنه ليس هنالك شرطا للمواطنة إسمه الأخوة، كما أن صفة تمردوا والتمرد التي تستخدم حتي فى أدبيات التاريخ السياسي السوداني والخطاب السياسي السائد عند المجتمع السياسي السوداني، هي توصيف فى سياق أزمة الدولة السودانية الموروثة من المستعمر بكل عطبها البنوي، ينطوي على رفض ضمني للأعتراف بالمطالبة الثورية لهؤلاء الناس، ويمنح شرعية مزيفة لقمعهم دون البحث فى أسباب خلل الدولة التى دفعت بعض مواطنيها لحمل السلاح من أجل المطالبة بدولة المواطنة المؤسسة على التنوع، وهذا هو المطلب الشرعي الحقيقي، لأن الدولة لا تتأسس على عدم الإعتراف بمواطنة كل شعوبها ومساواتها فى الوجابات والحقوق، هذه اللغة والتوصيفات، صارت لها دلالات ومحمولات، تنقل الصراع من المجال السياسي إلى المجال الهوياتي ومن محاسبة الفاعلين إلى معاقبة الجماعات، فالشخص ما عاد يحاسب على أفعاله الفردية، وإنما بسبب انتمائه الجهوي أو الإثني والعرقي أو الثقافي أو الديني والنتيجة أن المواطن الذي لم يكن جزءا من أي فعل، يمكن أن يصبح هدفا للعنف لمجرد أنه ينتمي إلى مجم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!