رأي

انهيار الجنيه السوداني: قراءة تحليلية في جذور الأزمة وآفاق المستقبل

انهيار الجنيه السوداني: قراءة تحليلية في جذور الأزمة وآفاق المستقبل

بقلم: المهندس/صديق أندر Siddig Ander

إن العملة الوطنية ليست مجرد ورقة نقدية تتداول بين أيدي الناس، بل هي مرآة صادقة تعكس صحة الاقتصاد وقوة المؤسسات واستقرار الدولة. وعندما تنهار العملة، فإنها تُخبرنا بأن شيئاً ما قد تآكل في بنيان الدولة من الداخل. واليوم، يقف الجنيه السوداني على حافة الهاوية، مسجلاً مستويات قياسية من التدهور لم يسبق لها مثيل في تاريخ السودان الحديث.

ففي أغسطس 2026، بلغ سعر صرف الجنيه السوداني في السوق الموازي 6400 جنيه للدولار الواحد، وهو رقم صادم يكشف عن عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها السودان. وقد أصدر بنك السودان المركزي تعميماً إدارياً سمح للبنوك التجارية بتحديد أسعار الصرف وفقاً للعرض والطلب، في محاولة يائسة لضم الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، لكن النتيجة كانت عكسية تماماً: اتساع الفجوة وتسارع الانهيار.

أولا: جذور الأزمة – لماذا ينهار الجنيه السوداني؟

1. الحرب المدمرة: الاقتصاد ضحية السياسة

إن السبب الجذري لتدهور العملة السودانية يعود إلى الحرب المستعرة منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. هذه الحرب لم تُدمّر البنية التحتية فحسب، بل دمّرت أيضاً الإنتاج الزراعي وعطلت التجارة الخارجية وأفرغت احتياطيات النقد الأجنبي من خزائن الدولة.

وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن الحرب قد أرجعت الاقتصاد السوداني أكثر من 30 عاماً إلى الوراء، وأدت إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تجاوزت 40%. كما أدت إلى إغلاق حوالي ثلث الشركات وتشريد نحو 13 مليون شخص، مما يعني أن قوة الإنتاج والاستهلاك قد تآكلت بشكل كارثي.

2. شح احتياطيات النقد الأجنبي:والجوع يأكل العملة

تُقدّر احتياطيات النقد الأجنبي للسودان حالياً بنحو 1.17 مليار دولار، وهو ما يكفي لتغطية واردات شهر واحد فقط. هذا الشح الحاد في العملات الأجنبية يخلق طلباً مفرطاً على الدولار في السوق الموازي، فيما العرض شبه معدوم، فتنحدر العملة الوطنية في دوامة لا تنتهي.

3. التضخم المتوحش: العملة تفقد قيمتها يومياً حيث بلغ معدل التضخم في السودان 150.2% عام 2025، وهو رقم فلكي يعني أن قيمة الجنيه تتبخر بسرعة البرق. وعندما يفقد الناس ثقتهم بعملتهم الوطنية، يلجأون إلى تخزين الدولار والعملات الأجنبية، مما يُغذي دوامة الانهيار ويُسرّع من وتيرة التدهور.

4. العجز المالي: الطباعة بديلاً عن الإصلاح

واصلت الحكومة السودانية تمويل عجزها المالي – الذي بلغ 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي – عن طريق الإصدار النقدي (طباعة النقود)، وهو ما يُعرف اقتصادياً بـ”ترحيل العجز”. وكلما طُبعت أوراق نقدية جديدة دون غطاء من الإنتاج الحقيقي، زاد العرض النقدي وانخفضت قيمة العملة.

ثانيا: الإسلاميون والبرهان – العملة المرتبطة بالسياسة

ولماذا ترتبط العملة بالإسلاميين والبرهان؟

إن ارتباط تدهور العملة السودانية بالإسلاميين وعبد الفتاح البرهان ليس ارتباطاً عرضياً، بل هو نتاج تراكمي لعقود من السياسات الاقتصادية المبنية على المحسوبية والأيديولوجيا بدلاً من الكفاءة والاستقرار.

1- تركة الإسلاميين الاقتصادية الثقيلة

لقد حكم الإسلاميون السودان لثلاثة عقود (1989-2019)، وخلال تلك الفترة، بنوا اقتصاداً موازياً قائماً على:

– احتكار الدولة للموارد: السيطرة على الذهب والنفط والأراضي الزراعية.

– الإنفاق العسكري الجامح: تمويل الحروب في دارفور وجنوب السودان والمناطق الأخرى.

– الفساد المؤسسي: إنشاء شبكات من المحسوبين تنهب الموارد العامة.

– العزلة الدولية: فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية التي حرمّت السودان من التمويل الخارجي والاستثمارات.

كل هذه العوامل أدت إلى تآكل البنية الاقتصادية وإضعاف قدرة الدولة على توليد النقد الأجنبي، وتركت تركة ثقيلة من الديون والعجز المزمن.

2- البرهان والحرب الاقتصادية

مع قيام عبد الفتاح البرهان بالانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، عاد السودان إلى حكم العسكر، وتراجعت آمال الإصلاح الاقتصادي التي كانت قد بدأت مع الحكومة الانتقالية. ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتضع السودان في أتون الفوضى الكاملة.

إن البرهان اليوم يحكم من بورتسودان، حيث نُقلت الحكومة والبنك المركزي، لكن سيطرته على البلاد جغرافياً محدودة، مما يعني:

– فقدان السيطرة على مناطق الإنتاج الزراعي (غرب البلاد).

– فقدان السيطرة على مناجم الذهب.

– تفكك الجمارك وتهريب الموارد.

– ظهور حكومات موازية، حيث أعلنت “حكومة تأسيس” التابعة لقوات الدعم السريع عن إنشاء مجلس نقدي موازٍ في نيالا.

هذا التمزق السياسي والمؤسسي يعني أن السودان اليوم ليس دولة واحدة، بل هو كيان مُفكك لا تستطيع أي حكومة – سواء كانت في بورتسودان أو نيالا – أن تفرض سياسة نقدية موحدة أو تحمي قيمة العملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!