
نجوي بابو
إن عودة النازحين واللاجئين إلى قراهم ومناطقهم الأصيلة ليست مجرد خطوة لوجستية أو تدبير إداري عابر، بل هي التزام وجودي وأخلاقـي يعيد صياغة مفهوم الكرامة الإنـسانية من صلب المعاناة والشتات ففي قلب الريف المستقر، لا تتأصل فحسب ركائز الأمن الغذائي، بل تنبع الحماية الحقيقية للعادات، والتقاليد، والموروثات الاجتماعية العريقة التي تعرضت لمحاولات الطمس والتمزيق داخل جدران معسكرات اللجوء الطاردة. إن التحدي التاريخي والأوجب اليوم يكمن في تهيئة جيل الشباب والأطفال الذين وُلدوا وترعرعوا في معسكرات النزوح ولم يعرفوا وطناً سواها، وربطهم بجذورهم، وقراهم، وأصولهم الضاربة في عمق الأرض. إن تحرير عقول هؤلاء الشباب من قيود البطالة القسرية وسراب الاتكالية على صدقات المانحين ومنظمات الإغاثة عابرة الحدود، لا يتحقق إلا بغرس ثقافة الإنتاج والاعتماد على عرق الجباه داخل حقولهم التاريخية، لتتحول طاقاتهم الفتية من مربع الانتظار السلبي لحصص الإعاشة إلى محرك أساسي لمعركة البناء واقتصاد الصمود، مشيدين بذلك فجراً جديداً يربط ماضي الأجداد التليد بمستقبل الأجيال الحرة فوق كل تضليل.
لا تتكامل أركان الدولة المدنية المستقرة في نماذج الاقتصاد السياسي الحديث إلا بالانتقال الحاسم من نمط الرعاية الإغاثية المستهلكة إلى نمط السيادة الإنتاجية المستدامة ومن هذا المنطلق، تقع على عاتق حكومة التأسيس والوحدة الانتقالية مسؤولية وطنية وأخلاقية صارمة تفرض عليها العمل الفوري لبسط الأمن الشامل، والتوزيع العادل للخدمات الأساسية في كل الأقاليم دون تمييز إن التناول المهني لمعاناة مئات الآلاف من النازحين في المعسكرات يقتضي تجاوز مسكنات الإغاثة الإنسانية العابرة التي تحولت بمرور الوقت وبفعل الجمود البيروقراطي لسلطات الأمر الواقع إلى سلاح إقصائي يسلب الإنسان كرامته الطبيعية، واستبدالها باستراتيجيات تنموية شجاعة تشجع عملية العودة الطوعية والآمنة للأهالي إلى قراهم ومزارعهم ومناطقهم التاريخية، حيث تُستعاد هناك قيم العمل الحقيقي والإنتاج الميداني الكفيل بقطع حبال التبعية والابتزاز الفوقي. ومن الناحية الاقتصادية والهيكلية، يُعتبر استمرار وجود كتل بشرية منتجة داخل معسكرات النزوح معتمدة كلياً على حصص الإعاشة الدولية تعطيلاً قسرياً لقوى الإنتاج واستنزافاً لاقتصاد الصمود المحلي فالريف السوداني يمثل السلة الحقيقية للأمن الغذائي، وعودة المزارعين والرعاة إلى قراهم المحمية بحاميات الجيش الوطني الموحد هي الضامن الوحيد لإعادة تشغيل الحقول، والأسواق، والمستشفيات، والمدارس المستقلة .
وهنا يتداخل المسار الإنساني بالقانوني إذ إن حكومة التأسيس مطالبة بتحصين هذه العودة عبر أدوات الحوكمة البديلة والسيادة الرقمية، من خلال توجيه الدعم المالي واللوجستي مباشرة للأهالي عبر بطاقات السند الذكية والمحافظ اللامركزية الموثقة عبر البلوكشين وتوظيفها لشراء الآليات الزراعية وبذور التأسيس، بدلاً من ترك أموال المساعدات تتبدد في دهاليز البيروقراطية المركزية والجبايات الفاسدة لمركز بورتسودان المعزول عن نبض الأرض إن هذا التحول البنيوي يمثل التحرر الحقيقي من قيود الماضي البائسة، وعقيدة الابتزاز التي عطلت نهضة البلاد لعقود من الزمان جراء النفاق السياسي ومناورات النخب الحزبية الانتهازية الغارقة في الترف المالي والقاطنة في العواصم الخارجية والمدن الآمنة فالكرامة الوطنية لا تُستجدى من منظمات الإغاثة عابرة الحدود، بل تُنتزع بعرق الجباه من داخل المزارع والقرى المستقرة. إن رتق النسيج الاجتماعي، وإيجاد الأعذار، وإرساء مواثيق الشرف الأهلية بين الإخوة في الميدان هي القاعدة الفلسفية والسياسية الصلبة لتأمين مناطق الإنتاج، وضمان دمج العائدين طوعاً من الشتات واللجوء في معركة البناء؛ لتثبت القواعد المدنية الحية وتكنوقراط الميدان أن سفينة الوطن قادرة على العبور بفضل سواعد أبنائها، وتشييد سودان المواطنة والعدالة والحرية .
وتأسيساً على ذلك، نتقدم بالشكر الجزيل للجان العودة الطوعية والعمل الإنساني في كردفان ودارفور والنيل الأزرق بأسمى آيات الشكر والتقدير لدورهم الكبير في دعم مسيرة العمل التطوعي الإنساني وخالص التهاني والتبريكات إلى اهلنا الأوفياء من النازحين واللاجئين بمناسبة بدء العودة المباركة والآمنة إلى قراهم ومناطقهم الأصيلة، مؤكدين أن الأرض لا يعمرها إلا أصحابها المخلصون إن هذا العبور التنموي الكبير يتطلب إطلاق حملات التوعية المجتمعية الشاملة لتحصين العقول ضد الاستقطاب، ورتق النسيج الاجتماعي من القواعد، بالتوازي مع الاستعداد والتحضير المبكر لتجهيز الموسم الزراعي القادم منذ الآن إن توفير بذور التأسيس والمدخلات التقنية بوقت كافٍ هو السلاح الاقتصادي الأقوى لقطع دابر الجوع، لتتحول الحقول العائدة بفضل سواعد أبنائها وعقيدتهم الوطنية الخالصة إلى قلاع للإنتاج والكرامة، وتشييد سودان المواطنة والعدالة والحرية والكرامة الوطنية والديمقراطية والمساواة .




