بين ذاكرة الجراح وحدود البراغماتية.. هل تملك مبادرة الإسلاميين فرصة للقبول أم أنها رهينة أزمة الثقة؟
هويدا سنادة

هويدا سنادة
تتجدد في المشهد السوداني أسئلة المصداقية كلما طُرحت مبادرات سياسية من قِبل أطراف ارتبطت تاريخيًا بمفاصل السلطة السابقة. وفي هذا السياق، يثير المقترح الذي قدّمه علي الحاج محمد، الأمين العام لـالمؤتمر الشعبي، جدلًا واسعًا يتجاوز مضمون المبادرة إلى هوية مُقدّمها وسجلّه السياسي، ما يعكس عمق أزمة الثقة التي تُعد جوهر الأزمة السياسية في السودان.
أولًا: إشكالية المصداقية
يواجه أي طرح صادر عن تيارات الحركة الإسلامية، بشقيها الوطني والشعبي، حالة من الشك العميق لدى قطاعات واسعة من السودانيين، الذين يرون في هذه التيارات المسؤول الأول عن صياغة النظام الذي قاد إلى تآكل مؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى المبادرات المطروحة بعين الريبة، بوصفها إما محاولة لتبييض الصورة، أو سعيًا للتموضع مجددًا في المشهد السياسي، تحسبًا لتحولات قادمة.
إن الإرث الثقيل المرتبط بتجربة الحكم السابقة يجعل من الصعب على الشارع تقبّل خطاب جديد دون مراجعة صريحة وشاملة. فارتباط بعض القيادات، ومن بينها علي الحاج، بمحطات مفصلية في تاريخ السلطة، مثل انقلاب الإنقاذ 1989، يضعف من قوة الطرح الأخلاقي لأي دعوة تتحدث عن المسارات القانونية أو رفض الانتقام، ويجعلها تبدو – في نظر منتقديها – أقرب إلى أدوات حماية سياسية منها إلى دعوات إصلاحية حقيقية.
ثانيًا: جدل التحالفات وإرث المفاصلة
يثير احتمال قبول بعض القوى المدنية، مثل تحالف “صمود”، بالتقارب مع المؤتمر الشعبي تساؤلات حول حدود البراغماتية السياسية. فالمفاصلة التي حدثت عام 1999، والتي قدّمت المؤتمر الشعبي كتيار معارض للنظام السابق، لا تزال محل جدل حول طبيعتها وحدودها، وما إذا كانت تمثل تحولًا حقيقيًا أم إعادة تموضع تكتيكية داخل ذات المنظومة الفكرية.
وتخشى قطاعات من أن يكون هذا الانفتاح جزءًا من “توزيع أدوار” يُعيد إنتاج النظام القديم عبر واجهات جديدة، فيما يُحذر آخرون من أن استبعاد الإسلاميين المعارضين قد يدفعهم إلى التحالف مع قوى عسكرية، ما يعقّد مسارات الانتقال السياسي.
ثالثًا: هشاشة الأدوات السياسية
كشفت التجربة السابقة للقوى المدنية، لا سيما خلال مرحلة قوى الحرية والتغيير، عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والقدرة على التنفيذ. فضعف الحاضنة الشعبية، والتشظي الداخلي، وغياب أدوات الضغط الفاعلة على المؤسسة العسكرية، جعل من هذه القوى طرفًا محدود التأثير في معادلة تتكئ على موازين قوة غير متكافئة.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي ترتيبات انتقالية جديدة تظل عرضة للانهيار ما لم تُدعّم بضمانات دولية وآليات رقابة شعبية صارمة، تكفل استمراريتها وتمنع انزلاقها عند أول اختبار حقيقي للمصالح.
رابعًا: الانتخابات بين الممكن والمستحيل
تبدو الدعوة إلى إجراء انتخابات خلال عام واحد، في ظل الظروف الراهنة، أقرب إلى الطرح النظري منها إلى الواقع العملي. فالنزوح الواسع، الذي شمل ملايين السودانيين داخل البلاد وخارجها، يشكل عائقًا جوهريًا أمام أي عملية انتخابية شاملة.
كما أن التشظي المجتمعي الذي خلّفته الحرب يهدد بتحويل الانتخابات إلى ساحة لصراعات جهوية وقبلية، بدل أن تكون أداة للتوافق الوطني. أضف إلى ذلك أن غياب الضمانات الأمنية، واستمرار نفوذ السلاح، يضعف من فرص نزاهة العملية الانتخابية، وقد يحوّلها إلى آلية لشرعنة موازين القوى القائمة بدل تغييرها.
خامسًا: بين الطرح النظري والحاضنة الأخلاقية
رغم أن المقترح الذي قدّمه علي الحاج قد يبدو متماسكًا من حيث البناء النظري، إلا أن نجاح أي مبادرة سياسية لا يتوقف على جودة الأفكار فحسب، بل على القبول المجتمعي والثقة في الجهة التي تطرحها.
وهنا تبرز المعضلة الأساسية: هل يمكن تجاوز فجوة الثقة دون مراجعة تاريخية صريحة، واعتراف واضح بالأخطاء، والتزام عملي بفك الارتباط مع ما يُعرف بالدولة العميقة؟
في غياب مثل هذه الخطوات، يظل أي مشروع سياسي، مهما بدا متماسكًا، مهددًا بفقدان مشروعيته الأخلاقية قبل السياسية.
خلاصة القول
إن الأزمة في السودان لم تعد أزمة مقترحات بقدر ما هي أزمة ثقة متجذرة في الذاكرة السياسية. وبين منطقية الطرح نظريًا، وثقل التاريخ عمليًا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن بناء مستقبل سياسي جديد دون مواجهة صريحة مع الماضي؟ أم أن المبادرات ستظل تدور في حلقة الشك، ما لم تُحسم معادلة المصداقية أولًا؟




