الخرطوم التي تترك مجهولي الأبوين في الشوارع والأنقاض.. ماذا فعلت الحرب بنا؟

تقرير – التنوير
لم يعد العثور على رضيع حديث الولادة ملقى في شارع أو كوشة أو بجوار مسجد ومستشفى خبراً عابراً في الخرطوم. تكرار هذه المشاهد بدأ يحولها إلى ظاهرة مقلقة، تكشف جانباً قاسياً من آثار الحرب يتجاوز الدمار المادي إلى تفكك شبكات الحماية الاجتماعية.
آخر الحالات كانت رضيعة لم يتجاوز عمرها نحو تسع ساعات، عُثر عليها داخل كوشة بمنطقة صالحة، موضوعة على حجر شديد السخونة، بينما كانت الكلاب تحيط بها، قبل أن تنجو وتنقل إلى المستشفى.
السؤال هنا لا يتعلق فقط بمن ترك الطفلة، بل بالظروف التي دفعت إلى أن يصبح الشارع خياراً لطفل لم يبدأ حياته بعد.
وبحسب تقرير نشرته «اندبندنت عربية» في يونيو الماضي، تحدث أطباء وحقوقيون عن العثور على أكثر من 100 حالة في العاصمة خلال 45 يوماً، إلى جانب نحو 230 حالة في مدن سودانية أخرى خلال ثلاثة أشهر. ورغم أن هذه الأرقام لا تمثل إحصاءً حكومياً شاملاً، فإنها تشير إلى ظاهرة تستحق تحقيقاً واسعاً، خصوصاً مع الحديث عن وفيات بين بعض الأطفال بسبب الجوع وغياب الرعاية.
الحرب لم تصنع الظاهرة من الصفر، لكنها عمّقت أسبابها. النزوح شتت الأسر، والفقر أضعف قدرة كثير من النساء على رعاية أطفالهن، بينما تراجعت مؤسسات الرعاية الاجتماعية وتعرض بعضها للدمار أو توقف عن العمل.
كما لا يمكن تفسير جميع الحالات باعتبارها نتيجة علاقات خارج الزواج. فهناك احتمالات أخرى تشمل الفقر، والنزوح، والحمل القسري والعنف الجنسي. والمرأة التي تتعرض للاغتصاب لا تختار ما يحدث لها، والطفل الذي يولد نتيجة جريمة لا ذنب له فيها، لكن كليهما قد يواجه وصمة اجتماعية تضيف معاناة جديدة إلى مأساة الحرب.
لهذا فإن مواجهة الظاهرة تبدأ قبل وصول الطفل إلى الشارع. امرأة فقدت منزلها أو مصدر دخلها، أو فتاة نزحت عن أسرتها، أو ضحية عنف جنسي، تحتاج إلى جهة تلجأ إليها وتحصل منها على الحماية والرعاية النفسية والاجتماعية والقانونية.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة. فالمبادرات الشعبية تستطيع إنقاذ الأطفال وتوفير الغذاء والعلاج، لكنها لا تستطيع وحدها بناء شبكة حماية مستدامة. المطلوب مراكز آمنة للأمهات والأطفال، وخطوط للإبلاغ والحماية، وأخصائيون اجتماعيون ونفسيون، وقاعدة بيانات للحالات، وآليات واضحة تضمن رعاية الطفل فور العثور عليه.
والأهم أن يُنظر إلى هؤلاء الأطفال باعتبارهم أصحاب حقوق، لا باعتبارهم «مجهولي السند». فالطفل الذي عُثر عليه في كوشة لم يختر الحرب، ولا الفقر، ولا الظروف التي ولد فيها، ولم يرتكب ذنباً يستحق عليه أن يبدأ حياته وسط القمامة والكلاب وحرارة الشمس.
الحرب دمرت الخرطوم، لكن آثارها الأخطر قد تكون فيما فعلته بروابط المجتمع. إعادة الإعمار لا تعني إصلاح المباني والخدمات فقط، بل إعادة بناء منظومة تحمي الإنسان عندما يعجز عن حماية نفسه.
الرضيعة التي عُثر عليها في صالحة نجت هذه المرة من الموت.
لكن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً هو: من سينقذ الطفل القادم؟
فالقضية لم تعد حادثة منفردة، بل إنذاراً بأن الحرب بدأت تترك آثارها في أضعف حلقات المجتمع، وأن تجاهلها اليوم قد يجعلها غداً ظاهرة أكبر من قدرة الجميع على احتوائها.




