رأي

زخم الشهادة السودانية.. أو (افراح 56)

زخم الشهادة السودانية.. أو (افراح 56)

بقلم: حاتم الياس

رفاقنا في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وكان وقتها يسيطر

عليه الطلبة القاعديون، وهم تيار ماركسي لينيني جذري، بثقافة ووعي ثوري عالٍ وفريد. وإن كنت أنا، في ذلك الوقت وأنا طالب، أقرب إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وهو حزب على خلاف مع الطلبة القاعديين في وسائل التغيير والرؤية للأفق الثوري. وكان حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، وهو حزب ماركسي، أقرب إلى التيار القومي العربي، وقد أتاح لي وقتها، وأنا طالب، فرصة أن أنشر في جريدتهم «الطريق». تحياتي من على البعد للرفاق في حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، فقد رعوا بدايات شغفنا بعوالم السياسة والمعرفة. (بالله شوف التاريخ السمح ده! هسع بقينا نناقش ناس الواحد خواؤه له طنين، ونقاشاته مثل قراص الحواشات). المهم في الأمر، كان للقاعديين هتاف أثير: «التعليم طبقي، وأبناء الشعب في الزناقي». والزناقي هي الأزقة في الحواري، حيث أطفال محرومون من الدراسة. ظهرت قبل أيام نتيجة امتحان الشهادة السودانية، ونبارك لأبنائنا الطلاب، لكن واقع التعليم في السودان، بما في ذلك الشهادة السودانية، كان باستمرار، ومنذ أن جاءت الإنقاذ وفرضت بقسوة سياسة السوق الليبرالية على الاقتصاد، واقعاً طبقياً واجتماعياً. وللأمانة، كان هذا توجهاً عالمياً حتى لا نقول إنها من بنات أفكار الإنقاذ، لكنها كمان وقعت لطبقة الإنقاذ الصاعدة في جرح ، من البرجوازية الريفية الطامحة في الثراء والقادمة من منابت اجتماعية فقيرة، وتلاقت مع سعيها القديم في التوجه المتبني لفكرة الاقتصاد الإسلامي (وهو نفسه بالطبع اقتصاد السوق، لكن شايل مصلاية وعندو دقن وبهتف «هي لله»)، ليدشن عهداً جديداً من الفرز الطبقي الحاد والقاسي، ويتم تفكيك التعليم المعتمد على دعم القطاع العام لصالح «بزنسة التعليم». فأصبح التعليم الخاص قطاع بيزنس واسعاً على حساب التعليم العام، بل وتم توظيف الطلبة المتفوقين الأوائل أنفسهم كـ«علامة تجارية». وهو أمر سيئ للغاية، نتمنى مستقبلاً أن يختفي من إعلانات المدارس، اي توظيف النجاح والطالب كمنتج للتسويق. إن أسوأ مظاهر دولة ستة وخمسين وغياب منطق العدالة فيها هو تحول التعليم إلى قطاع بيزنس، يرتاده من يملك المال ويُحرم منه الفقراء. وبعد ذلك، هناك محاولة للتكسب وجعلها مناسبة للزخم الوطني، لدعم سردية الجيش والدولة والكرامة. وهنا لا نقلل من فرحة الآباء ولا الأمهات ولا الأبناء والبنات، لكننا نود أن نرسم حدوداً للأفق الاجتماعي لهذه الفرحة، بأنها مرسومة ضمن تفاصيل القدرة المالية بدرجات تفوقها حتى، في حدود طبقية واجتماعية تخص واقع التعليم العام، بأنه، كما قال الهتاف السابق: «التعليم طبقي، وأبناء الشعب في الزناقي».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!