رأي

نيويورك ترسم ملامح ما بعد الحرب أين يقف تأسيس؟ 

نيويورك ترسم ملامح ما بعد الحرب أين يقف تأسيس؟

بقلم: هاشم طيار

في نيويورك، لا تدور المعركة السياسية السودانية فقط حول من يمثل السودان في الأمم المتحدة، ولا حول من يملك القدرة على مخاطبة المجتمع الدولي. المعركة الأهم تتجه بصورة متزايدة نحو سؤال أكثر عمقًا (كيف تنتهي الحرب؟ ومن يشارك في صياغة مستقبل السودان بعد الحرب)؟ ومع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، تتحرك عدة مسارات في وقت واحد: مساعٍ لوقف إطلاق النار، ضغوط من أجل فتح الممرات الإنسانية، نقاش حول تدفق السلاح إلى أطراف النزاع، مطالب بحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، إلى جانب تحركات القوى المدنية والعسكرية لتثبيت مواقعها في أي تسوية سياسية قادمة.

في هذا المشهد، يحاول كل طرف أن يثبت حضوره وروايته. سلطة بورتسودان تسعى إلى تثبيت موقعها باعتبارها مدعيا الممثل الرسمي للدولة، بينما تتحرك قوى مدنية، من بينها صمود، لطرح نفسها باعتبارها جزءًا من الحل السياسي المدني. وفي المقابل، يتحرك المجتمع الدولي بصورة متزايدة نحو مقاربة تركز على وقف الحرب وحماية المدنيين وإنهاء التدخلات التي تمد الصراع بالسلاح والمال. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين يقف تحالف السودان التأسيسي في هذه المعادلة؟ إن غياب تأسيس عن مركز الحراك الدبلوماسي في نيويورك لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد غياب عن اجتماعات أو منصات إعلامية، وإنما باعتباره فجوة سياسية ينبغي التعامل معها بصورة عاجلة. فالمفاوضات والاتصالات الدولية التي تجري الآن يمكن أن تؤثر في شكل التسوية القادمة، وفي طبيعة المرحلة الانتقالية، وفي ترتيبات الدولة والأمن والحكم.

والخطر الحقيقي لا يتمثل في أن يتجاهل المجتمع الدولي تأسيس إعلاميًا، وإنما في أن تبدأ أطراف أخرى في الإجابة عن أسئلة تخص مستقبل السودان ومناطقه وقواه دون مشاركة تأسيس في صياغة تلك الإجابات. من يمثل المناطق الخارجة عن المركز التقليدي؟ كيف تُدار المرحلة الانتقالية؟ ما شكل الدولة الجديدة؟ كيف يتم توحيد المؤسسة العسكرية؟ ما مستقبل المناطق التي تحملت كلفة الحرب؟ ومن يضمن ألا تعود البلاد إلى أسباب الحرب نفسها؟

هذه ليست أسئلة هامشية، بل هي جوهر الأزمة السودانية. وتأسيس يمتلك، بحكم وجوده السياسي والميداني، تجربة مختلفة عن القوى التي تتحرك من خارج مناطق الحرب. ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد إرسال وفد إلى نيويورك من أجل تسجيل الحضور، وإنما تحويل تجربة تأسيس إلى رؤية سياسية ودبلوماسية واضحة لإنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة السودانية. هذه الرؤية ينبغي أن تقوم على وقف شامل لإطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، ووقف تدفق السلاح الذي يطيل الحرب، وإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، وبناء دولة مدنية ديمقراطية فدرالية تقوم على المواطنة وسيادة القانون، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية، إلى جانب العدالة والمساءلة وضمانات تنفيذ أي اتفاق سلام.

والأهم أن تقدم تأسيس نفسها للمجتمع الدولي ليس باعتبارها منافسًا لصمود، ولا باعتبارها بديلًا عن أي قوة سودانية أخرى، وإنما باعتبارها طرفًا سودانيًا أصيلًا لا يمكن تجاوز وجوده وتجربته عند صياغة التسوية الوطنية. فالسودان لا يمكن اختزاله في بورتسودان، كما لا يمكن اختزاله في الخرطوم، ولا في أي تحالف أو قوة سياسية أو عسكرية منفردة. السودان أوسع من مراكز السلطة التقليدية، وأوسع من القوى التي تتنافس على تمثيله في الخارج. ولهذا فإن التحدي أمام تأسيس اليوم ليس فقط الوصول إلى نيويورك، وإنما الوصول إلى مراكز صناعة القرار الدولي برؤية سودانية متماسكة.

فإذا لم تقدم تأسيس رؤيتها، فسوف تقدم أطراف أخرى رؤيتها. وإذا لم تشرح للمجتمع الدولي طبيعة تجربتها السياسية والميدانية، فسوف يشرحها الآخرون من وجهة نظرهم. وإذا لم تشارك في النقاش حول ترتيبات ما بعد الحرب، فقد تجد نفسها أمام ترتيبات تم التفاوض عليها دونها.

ومع ذلك، فإن الفرصة ما زالت قائمة. فالملفات التي تتحرك الآن في نيويورك وقف إطلاق النار، المساعدات الإنسانية، حظر السلاح، حماية المدنيين، المساءلة، ومستقبل العملية السياسية تفتح مجالًا أمام تأسيس لتقديم خطاب مختلف يقوم على أن السلام لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق بين قوى الحرب، وإنما عملية لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أساس المواطنة والعدالة والسلام. إن المطلوب من تأسيس في هذه اللحظة ليس الدخول في سباق على من يملك الصوت الأعلى في نيويورك، وإنما امتلاك مشروع واضح لما بعد الحرب. فالسؤال الحقيقي ليس: من حضر نيويورك؟ السؤال الحقيقي هو: من يملك رؤية للسودان الذي يجب أن يأتي بعد الحرب؟ وهنا يجب أن يكون حضور تأسيس سياسيًا وفكريًا ودبلوماسيًا، لا مجرد حضور جغرافي.السودان يحتاج إلى صناعة السلام، لا إلى إدارة الحرب؛ وإلى إعادة تأسيس الدولة، لا إلى إعادة إنتاج المركز وإعادة الإسلاميين و العسكرتارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!