
إذا قالت حذام فصدقوها؛ وعندي حميدتي الخبر اليقين
عباس أحمد السخي
يُضرب مثل “إذا قالت حذام فصدقوها” في المواقف التي تتطلب الحكمة والفطنة، إذ تُنسب إلى حذام بنت الريان بن خسر بن تميم، وهي امرأة اشتهرت بحدة البصر وصدق الرأي، فأنقذت قومها حين أدركت ببصيرتها خطرًا محدقًا بهم من خلال صوت طيور القطا، فكان قولها فصلًا بين الهلاك والنجاة. ومن هذا المعنى الرمزي العميق، يمكن القول إن خطاب رئيس المجلس الرئاسي الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) الأخير جاء في لحظة فارقة من عمر الصراع السوداني، حاملاً إشارات واضحة إلى تحول في الموقف السياسي والعسكري، وإلى نضجٍ في الخطاب يعكس رؤية استراتيجية تستحق التوقف عندها بتمعن وتأمل.
أولاً: منطق الدولة ومسؤولية الالتزام بالقانون الدولي
في محور القانون والإنسانية في الحرب، برز حديث الجنرال حميدتي متجاوزًا لغة المنتصر التقليدية، ليؤسس لمنطق الدولة والمسؤولية الأخلاقية في إدارة الصراع المسلح. فقد دعا بوضوح إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني في معاملة الأسرى والجرحى والمدنيين، محذرًا من أي تجاوزات تمس هذه القيم. هذه الدعوة تمثل تحولًا نوعيًا في خطاب قائد عسكري يقود قوات فاعلة ميدانيًا، إذ يعكس إدراكًا بأن المشروعية السياسية لا تُكتسب بالقوة المادية فقط، بل بالالتزام بالقيم القانونية والأخلاقية التي تميز الدولة من الميليشيا. وفي ظل ما شهدته دارفور والفاشر من مآسٍ إنسانية متراكمة، فإن هذا الخطاب يعيد رسم صورة جديدة لقائد يريد أن يثبت أن مشروعه السياسي يتجه نحو بناء دولة القانون لا دولة الغلبة.
ثانيًا: لا كبير على القانون — ثقافة المحاسبة والانضباط
في محور المحاسبة والشفافية، أعلن حميدتي عن تشكيل لجنتين للتحقيق العسكري والمدني بشأن الانتهاكات المحتملة أثناء دخول القوات إلى مدينة الفاشر، مؤكداً أن “لا كبير على القانون” وأن يد العدالة ستطال الجميع. هذا التصريح لا يمكن عزله عن السياق العام الذي تمر به البلاد؛ فالسودان يعيش أزمة ثقة حادة في مؤسساته، والشارع السوداني سئم من الإفلات من العقاب. من هنا، تأتي خطوة حميدتي كاختبار عملي لإمكانية ترسيخ مبدأ سيادة القانون داخل مؤسسات الحكم الانتقالي ومؤسساته العسكرية.
من خلال التطبيق الحاسم على الارض، فسيكون ذلك أول جدار يُبنى في مشروع الدولة الجديدة التي يتحدث عنها المجلس الرئاسي — دولة لا تبرر الجريمة مهما كانت هوية الفاعل، ولا تتستر على أحد مهما علا موقعه.
ثالثًا: من الميدان إلى الإنسان — خطاب الإغاثة والإنقاذ
أما في محور الأمن الإنساني والإغاثة العاجلة، فقد وجه رئيس المجلس الرئاسي نداءً إلى المجتمعين الإقليمي والدولي لتوحيد الجهود من أجل إغاثة سكان دارفور وكردفان، مشددًا على مسؤولية حكومة التأسيس في توفير الدعم والمعينات الضرورية للمدنيين، مع توجيه الفرق الهندسية لنزع الألغام وتمهيد الطرق لعودة النازحين.
بهذه الرسائل، ينتقل حميدتي من خطاب الحرب إلى خطاب البناء والإنقاذ، وهو انتقال دقيق وحساس، لكنه ضروري لتثبيت الشرعية المعنوية لأي سلطة ناشئة بعد حرب طويلة. فحين تتحول لغة القائد من “السيطرة على المدن” إلى “عودة النازحين”، فإننا أمام تحول من مشروع القوة إلى مشروع الدولة.
رابعًا: الدولة الجديدة — الجيش في خدمة الوطن لا العكس
المحور الأهم في الخطاب تمثل في رؤية حميدتي لبناء مؤسسات الدولة، إذ دعا صراحة إلى إعادة بناء القوات المسلحة على عقيدة وطنية جديدة، ترتكز على الانضباط والاحتراف، وتخضع بالكامل للقيادة المدنية المنتخبة.
هذا الطرح يحمل دلالات استراتيجية عميقة، فهو يفكك إحدى أعقد معضلات السودان منذ الاستقلال — العلاقة بين السلطة العسكرية والسيادة المدنية. فالتاريخ السياسي السوداني كان مرهونًا بانقلابات متكررة عطلت مسار الدولة الحديثة، وجعلت من الجيش سلطة فوق الدولة لا أداة لحمايتها.
حديث حميدتي هنا يمثل نقطة مفصلية في إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية، ويشير إلى إدراك متقدم بأن الاستقرار السياسي لا يتحقق إلا حين يخضع السلاح للشرعية الدستورية، لا العكس
عليه، من الضروري ان يتحول هذا الخطاب إلى برنامج عمل وطني وليس وعودا سياسية.
التاريخ لا يرحم القادة الذين يخاطبون الشعوب بلغة الإصلاح ثم يعودون إلى منطق القوة، لكن إن صدقت النوايا وتحققت المخرجات، فسيكون خطاب حميدتي الأخير علامة فاصلة في مسار بناء السودان الجديد، السودان الذي يحكمه القانون وتُصان فيه الكرامة الإنسانية.




