رأي

مؤتمر الصلح بين الفلاتة والمساليت: قراءة بنيوية في خطاب رئيس الوزراء وجذور أزمة الهامش

مؤتمر الصلح بين الفلاتة والمساليت: قراءة بنيوية في خطاب رئيس الوزراء وجذور أزمة الهامش

بقلم عمار نجم الدين

تَبكِي الحُنيْفِيّةُ البَيْضَاءُ من أسَفٍ … كما بكَى الشَّرعُ حتّى مَلَّهُ البَاكِي

وَمَا أَنَا مِنْهُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ، بَلْ … نَاقَتِي وَرَكِيبِي حَيثُ أَنَا حَاكِي

( لأن النار ما يغطوها بالعويش ) وحين يُراق الدم على أعتاب الهامش لا تكفي الصلوات العابرة والخطب الاستهلاكية لإطفاء حرائق الأطراف التي تصنعها الاستخبارات وقاعات استبداد المركز ! إن ما جرى ويجري بين قبيلتي الفلاتة والمساليت من صراع دامٍ، وما توج مؤخراً بمؤتمر الصلح بين الجانبين، ليس سوى حلقة دموية جديدة في سلسلة متواصلة من المآسي التي تعبث بجغرافية السودان وتاريخه. لقد قطع رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي بحقيقة حاسمة حين قرر أن: (( المشكلة ليست صراعاً بين الفلاتة والمساليت، إنه صراع صنعته الدولة. )). نعم، إنه صراع بنيوي صُنِع ممنهجاً من قبل الدولة المركزية، وهو امتداد طبيعي لتلك السياسات المريضة التي تجلت جذورها الأولى في تجربة “المناطق المقفولة” إبان حقبة الإدارة الاستعمارية وما ورثتها عنها الحكومات التي سُميت زوراً بـ “الوطنية”، وما هي إلا حكومات استعمار داخلي تشكلت عبر حكومات مركزية من النخبة النيلية المستعمرة داخلياً، حين تم توظيف النعرات العرقية والقبلية لتلعب دور “رأس فتيل الديناميت” الذي يشعل به المركز نيرانه متى أراد إحكام قبضته وتأمين بقائه في مناطق الهامش.

إن الدم الذي يسيل بين المكونات لم يكن قدراً محتوماً، وما الصراع الدموي الذي جمع بين المساليت والفلاتة – كنموذج تطبيقي للاحتقان الممنهج – سوى ثمار مريرة لبيئة زُرعت فيها آليات الطعن والتناحر بقصد وإصرار. وهنا تبرز الشواهد الحية التي تفضح زيف الادعاءات؛ فتأمل خريطة الدم المفتعل في الجغرافية السودانية: صراعات بين الشلك والنوير، والسلم بين الدينكا والإنقسنا، وصدامات بين الزغاوة والرزيقات، وبين النوبة والحوازمة… ولكن، هل رأينا يوماً صراعاً بين الشايقية والجعليين؟ أو بين المحس والدناقلا؟ أو بين الكواهلة والربطاب؟!

إنها الدولة وحدها؛ الدولة التي تعمل عمداً على زرع العلم والتنمية في مكان، وزرع القبلية والجهل والأمية في مكان آخر، وما كانت تصنع ذلك سوى لتلفّ حبلاً محكماً حول رقبة الهامش بغرض التحكم فيه عقوداً متوالية.

لهذا السبب تحديداً، صار التعايشي ذلك السياسي المكروه بحق من قبل نخبة المركز – ليلها ونهارها، يسارها ويمينها – التي تتطابق وتتفق بكل أيديولوجياتها القطرية على تقاسم الغنيمة ومقاومة أي مشروع يهدد امتيازاتها. إنه السياسي الذي «كان بصره اليوم حديداً» وهو يخترق حجب التضليل، مستطيعاً أن يغوص في عقر دار المركز ليعرف كيف يفكك خطابه بنوياً لا سطحياً، وهو الذي عرف “لغة البوم” فأفشل سحرهم وكشف زيف هياكلهم.

وهنا تكمن استثنائية الخطاب حين يرتفع عن سطح العرض فرئيس حكومة التأسيس، إذ التقى بالقيادات المدنية للقبيلتين وأرخى سمعه لعلل الأزمات، إنما غاص في الجذر البنيوي الحقيقي الذي تتجاهله العقول المتبلدة ببطن المركز، متجاوزاً تماماً فخ القراءة الفوقية التي تحصر المأساة في مجرد احتكاك عابر بين رعاة ومزارعين أو شجار على مزرعة وحدود بيت، واضعاً نصب عينه أن حريق الأرواح البشرية لا يمكن ردمه بمجرد إلقاء القش فوق الجمر.

لو أن التعايشي سقط في فخ القراءة السطحية لمؤتمر الصلح هذا، لكان قد أعاد إنتاج العنف بصيغة أعنف، وترك المجتمعات ككبش فداء لجرائم المركز. غير أن قراءته البنيوية أدركت أن الترسبات القديمة، وأنساق العنف الموروثة، وآليات الاستتباع والهيمنة، لن تهزمها البندقية، بل إن البندقية وحدها لا تزيد الجمر إلا اشتعالاً. ولن يُكسر هذا الطوق الاستبدادي إلا بثورة تعليمية شاملة، جذرية وصارمة، تهدم هيكل القبلية السياسي، وتقتلع ميكانيزمات التجهيل والتهميش التي غرسها المركز لتبقى أطراف الهامش أسرى لجهلها وفقرها وتناحرها على الفتات. إن البصيرة التي تُرجع العلة إلى بنية الدولة الريعية الظالمة، وتفضح عورات المركز المستبد، هي وحدها مفتاح النجاة من محارق التاريخ المتكررة، ولا صلح مستدام دون تفكيك تلك البنية من جذورها.

.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!