رأي

عودة الإسلاميين من بوابة البرهان: قراءة في تعيين عبد الله درف وزيرًا للعدل

أحمد علي

يشكّل تعيين الدكتور عبد الله محمد درف علي وزيرًا للعدل في حكومة كامل إدريس (يوليو 2025) تطورًا بالغ الرمزية في المشهد السوداني؛ لا لكونه حدثًا إداريًا، بل لأنه يُعيد رسم خطوط النزاع بين مشروع العدالة الانتقالية ومشروع الاستعادة التدريجية لنظام الثلاثين عامًا البائد.

وما ينبغي أن نبدأ به هنا، هو ما يُروَّج في بعض الأوساط من مزاعم حول جنسية عبد الله درف، بادعاء أنه إريتري الأصل، وهي تهمة قديمة جديدة لا تستند إلى أي سند قانوني أو واقعي. فالرجل سوداني الجنسية بالميلاد والانتماء، وينحدر من قبيلة البني عامر، إحدى أعرق القبائل السودانية في شرق البلاد. والترويج لمثل هذه الأكاذيب ليس سوى محاولة لصرف أنظار الرأي العام نحو قضية هامشية لا تستحق النقاش، بينما يتم تجاهل القضية الجوهرية، وهي انتماؤه القديم والصميم للحركة الإسلامية، وتدرّجه في صفوفها ككادر أمني شديد الالتزام، تشرّب عقيدتها السياسية والأمنية، وخُصّ بمنح الثقة في مواقع لا تُمنح إلا لأبناء البيت العقائدي الصلب.

 

وُلد عبد الله درف في ولاية كسلا، وتلقى فيها كل مراحل دراسته الأولية، وانضم للحركة الاسلامية منذ بواكير صباه، وشغل عددًا من المناصب التنفيذية في حكومات الولايات، أبرزها منصبه السابق وزيرًا للصحة بولاية كسلا إبان حكم نظام عمر البشير؛ وهو منصب لم يكن الوصول إليه في تلك المرحلة ممكنًا إلا عبر البوابة التنظيمية للمؤتمر الوطني، الحزب الحاكم آنذاك، المعروف بسيطرته التامة على مفاصل الدولة وتعييناته المحصورة في دائرة الولاء السياسي والعقائدي.

 

عقب الثورة، لم يبتعد الرجل كثيرًا عن المشهد، بل برز لاحقًا كأحد أبرز المحامين المدافعين عن رموز النظام السابق، وفي مقدمتهم عمر البشير، مقدّمًا دفوعًا قانونية في عدد من القضايا المتعلقة بفساد العهد البائد، كما كان من أكبر منتقدي المطالب التي دعت لإعادة القبض على البشير وأعوانه الفارين من السجون ، عقب اشعالهم حرب 15 ابريل 2023.

 

ولم يكتفِ بمهنته القانونية، بل عُيّن بعد الحرب نائبًا لرئيس هيئة المقاومة الشعبية والاستنفار بولاية كسلا، وهي منصة أمنية اسلامية ذات طابع أمني تعبوي، على صلة مباشرة بالأجهزة الأمنية والعسكرية؛ ولا يُمنح هذا الموقع لمن هم خارج دوائر الرضا السياسي، فضلًا عن أن يُسنَد إلى شخصية قانونية، إلا إذا كانت محسوبة بدقة على معسكر أيديولوجي بعينه، وله مكانة في الأمن الشعبي- أمن التنظيم.

 

إن تولّي “إسلامي” لحقيبة وزارة العدل بسلطة الأمر الواقع في بورتسودان في سياق ما بعد الثورة ليس حدثًا عابرًا، بل يُنبئ بإعادة هندسة موازين العدالة لصالح مشروع الاستتباع القديم؛ ذلك المشروع الذي طالما وظّف النصوص القانونية لتكريس هيمنة سياسية، وتجريم المعارضة، وإعادة إنتاج الحصانة للنظام السابق وأركانه.

 

وجود شخصية كهذه على رأس وزارة العدل في بورتسودان يعني، بحكم الانتماء والخبرة والميل السياسي:

• تضييق الخناق القانوني على المعارضة المدنية والسياسية.

• إعادة فتح أبواب التأويلات القانونية التي تسمح بإلغاء أو تقليص أثر قوانين تفكيك النظام السابق.

• إعادة تشكيل الأجهزة العدلية والقضائية والرقابية وفق توازنات تُرضي تحالف قوى الثورة المضادة.

• إسقاط التهم الجنائية والمالية عن كبار رموز النظام البائد، بذريعة ضعف البينة أو انعدام الاختصاص.

– والأهم تعني بداية عودة الحركة الاسلامية بصورة علنية وسافرة إلى السلطة.

لا يُتوقع من وزير نشأ داخل المنظومة الإسلامية الحاكمة، ودافع عنها في المحاكم، وتدرّج في مناصبها، ثم ارتقى في مؤسسات المقاومة شبه الرسمية، أن يتحوّل فجأة إلى حامل لواء العدالة الانتقالية، أو أن ينقض الأسس التي نشأ في كنفها، وتشكّلت بها مرجعيته السياسية.

لقد تم تعيين عبد الله درف لتفكيك ما تبقّى من مشروع العدالة الثورية، لا لتقويته؛ ولأجل تمكين “تسوية فوقية” بين قوى محسوبة زوراً على الثورة وفلول النظام البائد، يكون هو فيها الوسيط الصامت، والقاضي القابض على ميزانٍ مائل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!