
إيمان بدر الدين
لم تعد قضية القصف الذي استهدف المعدنين السودانيين في منطقة شمال الوادي مجرد حادثة أمنية عابرة أو واقعة حدودية يمكن تجاوزها بالصمت والتجاهل، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمعنى السيادة الوطنية وقدرة الدولة على حماية مواطنيها وأرضها ومواردها.
فإذا كانت المهمة الأساسية لأي جيش وطني هي حماية الحدود وصون التراب الوطني والدفاع عن المواطنين، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: أين كان الجيش السوداني عندما تعرض مواطنون سودانيون للقصف داخل الأراضي السودانية؟ وأين كانت مؤسسات الدولة عندما سالت دماء أبناء السودان وهم يبحثون عن لقمة العيش في مناطق التعدين؟
لقد ظل ملف حلايب وشلاتين لعقود طويلة جرحاً مفتوحاً في الوجدان السوداني، ورمزاً لتراجع السيادة الوطنية على أجزاء من الأرض السودانية. واليوم تتجدد الأسئلة بصورة أكثر إيلاماً بعد التقارير التي تحدثت عن استهداف المعدنين السودانيين داخل حدود البلاد، في وقت ينتظر فيه المواطن السوداني موقفاً رسمياً واضحاً يشرح الحقائق ويحدد المسؤوليات ويطمئن الرأي العام.
إن الصمت في مثل هذه القضايا لا يبدد الشكوك، بل يضاعفها. فالمواطن الذي يرى أرضه تُنتهك وحقوقه تُهدر وأرواح أبناء وطنه تُزهق، من حقه أن يتساءل: ما هي حدود السيادة التي تتحدث عنها السلطة؟ وما هي الوظيفة الحقيقية للمؤسسات العسكرية إذا عجزت عن حماية الإنسان السوداني داخل أرضه؟
ومن حق السودانيين كذلك أن يعرفوا حجم الأموال التي دفعتها جموع المعدنين للدولة مقابل التراخيص والرسوم والجبايات المختلفة. فما قيمة تلك الرسوم إذا لم تقابلها حماية للأرواح والممتلكات؟ وما جدوى التصاريح الرسمية إذا كان أصحابها يواجهون الموت دون أن يجدوا الحماية أو حتى التوضيح؟
كما تثير بعض الأصوات تساؤلات حول هوية الضحايا ومحاولات التشكيك في كونهم سودانيين. غير أن المنطق البسيط يفرض سؤالاً مباشراً: إذا كانوا غير سودانيين، فكيف سمحت السلطات بدخولهم والعمل في تلك المناطق؟ وإذا كانوا يحملون تراخيص رسمية، فمن الجهة التي أصدرتها لهم؟ ولماذا لم تُعلن الحقائق كاملة للرأي العام؟
إن حماية المواطن ليست منّة من أحد، بل هي جوهر العقد بين الدولة وشعبها. وأي تقاعس عن أداء هذا الواجب يضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى السلطة نفسها ومعنى وجودها.
لقد أثبتت هذه المأساة أن قضية السيادة لا تُقاس بالشعارات والخطب، بل بقدرة الدولة على حماية حدودها ومواطنيها ومواردها الوطنية. كما أكدت أن الشعب السوداني لن يقبل أن تتحول أرواح أبنائه إلى أرقام تُنسى في البيانات الرسمية أو ضحايا مجهولين في صراعات المصالح والنفوذ.
إن الكرامة الوطنية لا تتجزأ، والسيادة لا تُنتقى، ودماء السودانيين يجب أن تبقى خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه أو الصمت عليه تحت أي ظرف من الظروف.



