
فاطمة لقاوة
ليست الثورات ولا مشاريع التغيير الكبرى فعل إندفاع عاطفي أو إنتصار عسكري عابر، بل هي – في جوهرها – معادلات معقدة تقوم على توازن دقيق بين القوة، والسياسة، والرؤية.
في الحالة السودانية الراهنة، يتجسد هذا التوازن في مثلث ثلاثي الأضلاع:العمل العسكري الميداني، العمل السياسي المنظم، والرؤية الإستراتيجية لبناء دولة العدالة والمساواة.
أي خلل في ضلع من هذه الأضلاع لا يضعف المشروع فحسب، بل يهدد بانهياره الكامل.
الضلع الأول: الميدان
حيث فُرض الواقع منذ 15 أبريل، أثبت العمل العسكري الميداني أنه الضلع الأقوى والأكثر تماسكا في معادلة الصراع،فقد تمكنت قوات الدعم السريع، ومعها قوى الهامش، من كسر شوكة جماعة بورتسودان التي إختطفت الدولة وتدثرت زورًا باسم الجيش.
الميدان لم يكن فقط ساحة مواجهة عسكرية، بل أصبح أداة لفرض واقع سياسي جديد، واقع يقول بوضوح إن السودان لم يعد يُدار من مركز واحد ولا يُحكم بعقلية الوصاية التاريخية.
قوة الميدان، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنتاج دولة، ولا يمكنها مخاطبة المجتمع الدولي أو تفكيك البنية العميقة للدولة القديمة دون سند سياسي وإستراتيجي.
الضلع الثاني: السياسة
لقاء قادة الهامش في نيروبي شكّل لحظة مفصلية، إذ نقل الصراع من مجرد فعل عسكري إلى مشروع سياسي معلن، تُوّج بتحالف تأسيس ومحاولة بناء حكومة سلام تعبّر عن المناطق المهمشة، وإتخاذ نيالا عاصمة واقعية لها.
هذا التحرك أربك النخب المركزية وأعاد خلط الأوراق، رغم بطء إجراءات إستكمال الهياكل وتوحيد الرؤى داخل التحالف،غير أن هذا الضلع ما زال الأكثر هشاشة، لا لضعف الفكرة، بل بسبب الضغوط الدولية، والإبتزاز السياسي، ومحاولات وسم حكومة السلام بتوصيفات مضللة مثل “الحكومة الموازية”.
هي تسمية لا تُعبّر عن حقيقة الواقع، بل تمثل ظلمًا سياسيًا وتاريخيًا لملايين السودانيين الذين تُركوا بلا دولة ولا خدمات، في وقت إنشغلت فيه عصابة بورتسودان بإدارة الحرب. لا حماية المواطنين.
الضلع الثالث: الرؤية الاستراتيجية
أخطر ما يواجه مثلث التغيير اليوم ليس المعركة العسكرية ولا العرقلة السياسية، بل غياب وضوح الرؤية الإستراتيجية لبناء الدولة الجديدة.
الدولة التي تُبنى بعد الحرب لا تُدار بعقلية الطوارئ، ولا تُختزل في ردود الفعل، بل تحتاج إلى مشروع فكري وسياسي يُجيب عن الأسئلة الكبرى:
كيف نعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش؟
كيف تُبنى مؤسسات عادلة لا تعيد إنتاج الإقصاء؟
وكيف نمنع تحوّل القوة العسكرية إلى سلطة منفلتة؟
الضغط الدولي الجائر، وسوء فهم الفاعلين الدوليين لطبيعة الصراع في السودان، أربك التفكير الإستراتيجي وأضعف القدرة على بلورة هذا الضلع، ما يهدد بتآكل المثلث من داخله.
التاريخ لا يرحم المشاريع الناقصة،إما أن تتكامل أضلاع المثلث الثلاثة في تناغم واعٍ، أو يسقط المشروع بكسر أحدها.
الميدان بلا سياسة يتحول إلى فوضى، والسياسة بلا ميدان تصبح خطابًا بلا قوة، وكلاهما بلا رؤية إستراتيجية يعيدان إنتاج الدولة الفاشلة ذاتها، لكن بوجوه جديدة.
مشروع التغيير في السودان اليوم يقف على مفترق طرق:إما دولة تُبنى على العدالة والمساواة، أو إنتصار ناقص يفتح الباب لمأساة جديدة.
يبقى السؤال القائم:هل يصمد مشروع التغيير أم يسقط بكسر احد أضلاعه؟
الإختبار الحقيقي ليس في كسب المعارك، بل في القدرة على تحويل النصر إلى دولة.
هذا ما ننتظره من الجنرال المُنقذ”حميدتي” ورفاقه.
ولنا عودة بإذن الله
الأحد،١٨يناير/٢٠٢٦م



