
لم يكن باب المدرسة الكبيرة في الأبيض الثانوية بنات مجرد مدخل حجري نمر عبره إلى الصفوف. كان بوابة إلى عالم آخر. عالم من الدهشة والمعرفة والأمل، تدلفين إليه صباحاً على إيقاع خطواتك الخجولة، وتغادرينه في المساء محمّلة بكلمات تُشبه المطر، تروي جفاف العمر وتُوقظ في داخلك شيئاً يشبه الحلم.
في قلب تلك المدرسة، وسط الظلال التي تصنعها شجرات الهجليج والنيم، كنا نحن – بنات الأبيض – ننتظر الحصة الاولى، لأنها كانت موعدنا مع الاستاذة إلهام الطيب. كانت تأتي بخطى ثابتة، وجهها مضاء بهدوء العلماء، وملامحها ناصعة كأنها خرجت تواً من كتابٍ عن النساء المُلهمات.
كانت تدرّسنا الرياضيات، نعم. لكنها لم تكن فقط معلمة معادلات. كانت امرأة تزرع فينا نبوءة المستقبل. أذكر جيداً حديثها المتكرر عن “نظرية النهايات”. لم تكن مجرد مفاهيم رياضية، بل مفاتيح لفهم الحياة. كانت تقول: “كلما كان نظرك قصيراً، ضاقت عليك الحياة. لكن إن وسّعت رؤيتك، رأيت أكثر، وفهمت أكثر، وارتقيت.”
كان صوتها يدخل القلب قبل العقل. تشجعنا على أن نحلم، أن نطمح، أن نرى ما وراء الأفق. كانت تقف في آخر الفصل، تتأملنا بعين الأم والمعلمة، وتقول:
ــ “يا بنات، النجاح لا يبدأ من المدرسة، بل من جوة القلب. خَلُّوا عندكم خيال، لأنه الخيال هو أول خطوة في صناعة الواقع.”
ما زلت أذكر صباحات الأبيض. تلك المدينة التي تشبه القصيدة غير المكتملة، بين عفوية البسطاء وهدوء الساحات. كان الطريق إلى المدرسة مفروشًا بذكريات لا تموت: صُحبة الأتراب، زقزقة العصافير، صوت بائع الطعمية، ورائحة الحليب المغلي التي تتسلل من منازل الجيران.
كان لفصلنا نكهة مختلفة. كل واحدة منا تحمل داخلها قلقًا صغيرًا وحلمًا كبيرًا. كنا نحاول أن نرسم مستقبلًا لا يشبه واقعنا، مستعينات بكلمات الأستاذة إلهام. كانت تحكي لنا عن الثورة الصناعية كأنها قصة من ألف ليلة وليلة، وتحدثنا عن مآلات الأمم، وأهمية الفهم السياسي والثقافي.
قالت مرة:
ــ “بلدكم دا عظيم، لكن محتاج لعقول ناقدة، عيون مفتوحة، وناس تقرأ الواقع كويس.”
كنا نلتف حولها كما يلتف الأطفال حول حكواتي في ليلة شتوية. لم نكن ندري وقتها أن تلك الكلمات ستظل معنا حتى بعد أن نكبر، ونسافر، ونتزوج، ونهاجر. في أحد الأيام، سألتها زميلتنا حنان الولي، بصراحتها الطفولية المعهودة:
ــ “أستاذة، إنت قريتي شنو؟ ليه بتعرفي في كل حاجة؟” ضحكت الأستاذة إلهام، وقالت:
ــ “أنا درست رياضيات في جامعة الخرطوم. لكن العلم ما بس في الجامعة. المكتبة، الراديو، الناس الكبار، الشوارع… دي كلها مدارس. وأنا تعلمت من كل واحدة فيها.”
يا لها من حكمة! وقتها لم نكن ندرك عمق ما تقول. لكن اليوم، وأنا أكتب من مدينة كاليفورنيا، أفهم جيداً أن التعليم الحقيقي يبدأ حين تفهم كيف ترى الحياة كمدرسة لا تتوقف.
حين جاءت نتائج امتحانات الشهادة الثانوية، نجحنا جميعاً. كانت لحظة انتصار. لحظة انتصار للفكرة، للكلمة، للصبر. دخلت زميلاتي الجامعات، وتفرقت بنا السبل. لكن الرابط بيننا ظل تلك المدرسة، وتلك الأستاذة.
اليوم، بعد سنوات من الرحيل، أكتب من مدينة الضجيج الكبير، كليفورنيا. مدينة يختلط فيها الأمل بالخوف، والفرص بالتعب. لكنني ما زلت أسمع صوت الأستاذة إلهام في داخلي: “كلما فكرت أكبر، صرت أكبر.”
صديقتي حنان الولي تقيم الآن في براغ، وتدير شركة طاقة واعدة. وزميلاتي الأخريات تخرجن من جامعات في بريطانيا، فرنسا، إيطاليا. كنّ فتيات صغيرات في فصول الأبيض، والآن هنّ نساء يصنعن الفارق.
الأبيض ليست مدينة فقط. إنها حالة وجدانية. شيء يشبه الضوء الخافت في نهاية الذاكرة. مدينة أب قبة وفحل الديوم، سوق العناقريب، والجبنة التي تُعدّها الأمهات. مدينة لا تُنسى، لأنها مدينة البداية.
وفي ختام هذا الحنين، أُرسل تحية من الأعماق إلى الأستاذة إلهام الطيب. سمعت أنها تقيم الآن مع ابنها الكبير في إحدى دول الخليج. لو أن كلماتي هذه تصلها، فلتعلم أن هناك من لا تزال تحتفظ بصوتها ونصائحها كما تحتفظ بالوشاح الأول، والضحكة الأولى، والدفتر الأول.
لقد اختصرت لنا المسافات بكلماتها، ومهّدت لنا الطريق نحو المستقبل بوعيها، وسقتنا من نهر الطموح حتى ارتوينا.
فشكراً لها، وشكراً للأبيض التي أنبتت فينا هذا الحب، وهذا الحنين، وهذا الإيمان بأن الكلمة قادرة على بناء أجنحة… تطير بنا حيث نشاء.




