رأي

الجيش: نصف قرن من القمع والخيانة

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة

شعارات ظل يرددها الثوار في محيط القيادة العامة إبان ثورة ديسمبر، مثل: *(معليش معليش، ما عندنا جيش)، و *(الجيش جيش الكيزان، ما جيش السودان)*، كانت شعاراتٍ داوية تشق عنان السماء لتؤكد فعلاً أن هذا الجيش المهترئ كان ولا يزال هو العقبة الكَؤُود أمام خيارات الشعب السوداني في الحكم المدني. الأمر الذي أدى إلى خروج الشعب السوداني في ثلاث ثورات شعبية ضد أنظمة شمولية دكتاتورية، على رأسها جنرالات، أولها ثورة أكتوبر 1964 ضد الجنرال إبراهيم عبود، تلتها ثورة أبريل 1985 ضد المشير جعفر نميري، وأخيرًا هبّة ديسمبر 2018 ضد الجنرال الإسلاموي عمر البشير. أكثر من نصف قرن وجنرالات الجيش يستمرئون سرقة أحلام الشعب السوداني.

المؤسف جدًا أن الجيش ظل يحتكر أدوات العنف ويمارسها ضد الشعوب السودانية المختلفة؛ فقد قاتل شعب جنوب السودان منذ أغسطس 1955 حتى اتفاقية السلام الشامل، ولم تتوقف الحرب إلا لعشر سنوات، كانت هي عمر اتفاقية أديس أبابا. طيلة هذه الفترة، ارتكب الجيش فظائع وانتهاكات وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم إبادة يندى لها الجبين. بلغ عدد الضحايا ما يقارب مليوني نفس، نصفهم من المدنيين، علاوة على جرائم الاغتصاب والعنف والقتل على أساس الهوية، حتى انفصال الجنوب.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل استمر ذات الجيش في ممارسة العنف والقتل بحق الشعب السوداني في جبال النوبة والنيل الأزرق وإقليم دارفور؛ كلها حروب ناتجة عن التهميش التنموي والمركزية القابضة والخانقة، التي أجبرت الهامش على اتخاذ مواقف راديكالية ضد السلطة المركزية، التي ما لبثت أن وصمت تلك الحركات الاحتجاجية بـ”التمرد”، لتظل تمارس العنف ضد شعوبها في الأطراف، فقط لأجل إحكام القبضة والسيطرة على السلطة والثروة، واحتكار القرار السياسي لصالح نخب وجنرالات فشلوا بامتياز في إدارة التنوع والاختلاف، والاستفادة من الموارد والمقدرات.

حتى بات السودان يُعرف بـ”الدولة المصابة بلعنة الموارد”، بدلاً من أن تكون هذه الموارد نعمة، صارت نقمة أشعلت الحروب والصراعات، وظل السودان يعيش حالة عدم استقرار سياسي وغيابٍ للعدالة الاجتماعية.

الجيش السوداني ظل يتاجر بالموارد؛ من تجارة الفحم وحطب الوقود والخشب، حيث رأى الشعب السوداني بأمّ عينيه شاحنات الجيش وهي تجوب المدن والأحياء السكنية تبيع الفحم والحطب، ما أحدث خللاً بيئيًا واضحًا بسبب الحرق والقطع الجائر. وليس هذا فحسب، بل ظل يتاجر كذلك في الثروة الحيوانية والمحاصيل النقدية والمعادن، وكلها تُصدَّر بصورتها الخام دون أن تجني الخزانة العامة من عائداتها قرشًا واحدًا.

وللأسف، حتى الآثار التي تعكس حضارات وتاريخ السودان العريق لم تنجُ من عبث هذا الجيش، الذي ظل عرضة للاختراق والاختطاف والأدلجة. علاوة على ذلك، صار أداة للتدخل المصري في الشأن الداخلي، لتظل مصر تستغل الموارد، وتستغفل الحكومات، وتجيّر حتى المواقف السياسية لصالحها.

ومصر تغتصب حلايب وشلاتين وأبورماد، لتنتهك السيادة، وتنتزع الأراضي، بينما الصمت يظل سيد الموقف لدى جيشٍ لا يحترف سوى قتل شعبه.

وها هي حرب 15 أبريل تؤكد ضعف وهزال “جيش ونجت باشا”، الذي ظل يعمل فقط على التجييش القبلي، والاعتماد على الميليشيات والكتائب الإرهابية والمرتزقة، وسلاح الجو المصري، وقصفه الانتقائي للمدنيين وتدمير البنية التحتية.

ومع كل هذا، ظللنا كشعب لسنا فقط ضحايا لسلاح الجيش الذي وُجِّه إلى صدورنا، بل ضحايا حتى للإعلام الرسمي الكذوب، الذي يمجّد الجيش عبر الأناشيد الحماسية من قبيل:

“*الحارس مالنا ودمنا، جيشنا جيش الهنا*”.

وهو لم يكن إلا جيش الوجع، السارق مالنا، وسافك دمنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!