رأي

الجيش السوداني بين إرث الاستعمار وخيانة الوطن

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب 

الجيش السوداني، عبر تاريخه، لم يكن سوى اليد الباطشة للنخب التي سيطرت على السلطة والثروة منذ الاستقلال، لحماية مشروعها الإقصائي والاجتماعي. بينما يُفترض أن يكون الجيش مؤسسة وطنية تعبر عن مصالح المواطنين وتلبي احتياجاتهم المادية والمعنوية، فإنه في الواقع خدم مشروع النخب التي ورثت السلطة والثروة من المستعمر، وفشلت في بناء مشروع وطني شامل يعكس إرادة الشعب.

طوال هذا التاريخ، كان الجيش يعكس بنية الدولة المختلة، مرسخًا التراتيب الاجتماعية الإقصائية، ومنفذًا للسياسات الرسمية التي مارست التهميش الممنهج. كان اليد الباطشة التي تطبق القوانين والسياسات بما يخدم مصالح النخب، وليس مصالح الشعب. لم يصبح الجيش أداة وطنية للدفاع عن المواطنين، بل أداة لضمان استمرار الهيمنة وإدامة الفساد المؤسسي.

في سياق الحرب الدائرة اليوم، ظهر وضوح التموضع الصحيح لبعض القوى التي ارتكزت على قيم وطنية حقيقية، وانحازت للشعوب السودانية ضد الجيش الذي تأسس ليخدم أهدافًا لم تعد تعبر عن إرادة المواطنين. هذا الانحياز ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل موقف أخلاقي يعكس قدرة القوى الشعبية على فهم جذور الأزمة، والتمييز بين من يمثل مصالح الشعب ومن يمثل مشروع النخب الإقصائي المستمر منذ الاستعمار.

النخب الحالية تستمر في تقسيم صكوك الوطنية وإصدار أحكام أخلاقية زائفة على المواطنين، معتبرة أن الولاء للجيش هو المعيار الأساسي للوطنيّة. الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ الجيش لم يعد مؤسسة وطنية مستقلة، بل أداة تاريخية لخدمة مصالح نخبوية، بينما القوى التي وقفت مع الشعب هي من يمثل المصالح الحقيقية للمواطنين ويحمي حقوقهم وحرياتهم.

قوات الدعم السريع تموضعوا على الضفة الصحيحة، مظهرين التزامًا حقيقيًا بالقيم الوطنية والمواطنة، وليس الولاء للأجندات التاريخية للنخب التي أسست الدولة لتخدم مصالحها الخاصة. هذا التموضع يعكس فهمًا عميقًا لجذر الأزمة في السودان، حيث لا تكمن المشكلة في نزاع بين الجيش والمواطنين، بل في فشل المؤسسات وانحياز الجيش لمؤسسات غير وطنية، خدمت أهداف المستعمر ومصالح النخب الإقصائية.

الدرس الأساسي واضح: الوطنية لا تُقاس بالانحياز لأي مؤسسة تاريخية، بل بالقدرة على التمييز بين من يمثل مصالح الشعب ومن يمثل مصالح النخب. التحدي الحقيقي هو بناء مؤسسات وطنية حقيقية، تحمي حقوق الجميع، وتعيد توزيع السلطة والثروة بشكل عادل، بدل أن تظل أدوات للقمع والتهميش.

في النهاية، أي فهم للأزمة السودانية بدون الإقرار بهذه الحقيقة سيظل ناقصًا. الجيش السوداني ليس رمزًا للوطنية الحقيقية، بل إرثًا تاريخيًا لخدمة النخب، بينما القوى التي تحافظ على مصالح الشعب تمثل الأمل في بناء مستقبل جديد، وطن حقيقي، لا تحكمه المصالح الخاصة ولا الهيمنة التاريخية. الانحياز للشعوب السودانية هو الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة الوطنية وإعادة بناء مؤسسات تعكس إرادة المواطنين وأحلامهم في حياة عادلة ومستقرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!