رأي

بورتسودان عاصمة “النهب العلني”!

علي احمد

علي احمد

في قلب مدينة بورتسودان، التي أصبحت المقر السياسي المؤقت لحكومة الأمر الواقع، يتصاعد القلق يوماً بعد يوم جراء تفشي الفوضى الأمنية، وغياب أي مظاهر فعلية لهيبة الدولة. تحوّلت المدينة من ملاذٍ للنازحين إلى بيئة خانقة يعمّها الخوف؛ حيث يعجز المواطنون عن التمييز بين رجل الأمن واللص، وبين من يفترض به أن يحميهم ومن يسلبهم علناً تحت تهديد السلاح.

في الأيام القليلة الماضية، تكررت حوادث النهب والاعتداء، التي يقف وراءها – بحسب شهود محليين – أفراد من القوات المشتركة والجيش والأمن، بعضهم يرتدي الزي الرسمي، ويستغل موقعه ونفوذه لابتزاز السكان أو السطو على الممتلكات. يُضاف إلى ذلك تصاعد نشاط عصابات “9 طويلة”، التي باتت تنتشر في الأسواق والأحياء السكنية، تروع المارة، وتنهب الهواتف والمقتنيات تحت سمع وبصر من يفترض بهم حماية القانون.

اللافت والخطير في الوقت ذاته، أن بعض أفراد الأجهزة الأمنية المناط بها حماية المواطنين من اللصوص وقطاع الطرق، صاروا هم أنفسهم يمارسون أعمال النهب والسرقة، مستغلين سلطاتهم ومواقعهم الرسمية. لا يترددون في نصب نقاط تفتيش وهمية، أو اقتحام المنازل بحجة التفتيش الأمني، ثم يخرجون منها بما خفّ وزنه وغلا ثمنه.

أجهزة الشرطة والمخابرات العسكرية في المدينة تبدو عاجزة تماماً. فبعض أفرادها مشاركون ضمنياً في حالة التسيب، وآخرون يلوذون بالصمت أو يتجنبون الاشتباك مع الجماعات المتفلتة خشية التصادم مع جهات نافذة. المواطن في بورتسودان اليوم لا يثق في أحد، ولا يجد جهة يلجأ إليها إن سُرق أو ضُرب أو أُهين.

هذا الواقع القاتم أفرز حالة تذمر شعبي واسعة، بدأت تعلو أصواتها داخل الأحياء، وامتدت إلى مجموعات من الموظفين والناشطين المحليين، الذين عبّروا عن استيائهم مما وصفوه بـ”تواطؤ الدولة مع الفوضى”، متسائلين عن دور الحكومة في حماية المدنيين في منطقة يُفترض أنها العاصمة الإدارية البديلة.

لا يمر يوم دون أن تسجل حادثة سرقة بالإكراه، أو اقتحام منزل من قبل ملثمين مسلحين، أو مشاجرة دموية بسبب محاولات فردية للدفاع عن النفس. بعض التجار بدأوا بإغلاق محلاتهم في وقت مبكر، بينما يتجنب الناس الخروج ليلاً، خصوصاً في أحياء مثل سلالاب، وحي المطار، وأطراف ديم المدينة.

الأسوأ أن غياب المحاسبة شجّع على المزيد من الفوضى. فالمتفلتون يعلمون أن يد الدولة مرتخية، وأن الانضباط مفقود، وأن القانون مجرد لافتة فوق مبنى فارغ من الفاعلية.

إذا لم تتدارك السلطات الأمر سريعًا، وتعيد ترتيب البيت الأمني بضبط القوات، وتجريدها من النفوذ الفردي، وتفكيك العصابات المنظمة، فإن بورتسودان ماضية نحو هاوية لن تنجو منها، وقد تخسر آخر ما تبقى لها من استقرار اسمي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!