رأي

جولة واشنطن المرتقبة وتحدياتها

فاطمة غزالي

فاطمة غزالي

لا شك أن تحديات كبيرة ستواجه إدارة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشركائها في اللجنة الرباعية التي تضم السعودية ومصر ودولة الإمارات  العربية في مفاوضات السلام المقبلة، بعد أن جرت مياه كثيرة تحت جسر الحرب في السودان وغيرت مساراتها. منذ فترة شرع مستشارو ترامب في تقيم وقراءة الأبعاد السياسية والأمنية  لكل التطورات والمتغيرات في الحرب السودانية، وأهمها تمدد نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسة الجيش وتأثيرها على القيادة بشأن قرارات الحرب والسلام في السودان. لذلك، فإن مخاطبة التحديات من قبل الوساطة من شأنه يضع النقاط على الحروف تهيئةً لمناخ المفاوضات.

تعنت القيادة وصراع الحلفاء

إن أول التحديات التي يجب مخاطبتها لهي رفض قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وحلفائه من الإسلاميين والكيانات المسلحة الأخرى مبدأ التفاوض مع الدعم السريع. فهذا هو الذي شكل تحديا كبيرا وسمح للحرب بالتمدد إلى أغلب مناطق السودان. كما وساهم في تجيش المدنيين وفتح الأبواب مشرعة لتكوين الميليشيات القبلية والجهوية. تمسكت قيادة الجيش بخيار الحرب وظنت أنها تعيش وضعاً مثالياً  مادام استمرار الصراع يسمح بالسيطرة  المطلقة على الحكم واعتقدت أيضاً أن الدخول في العملية السلمية  يعني قبولها بوضع سياسي جديد ستفرضه شرعية اتفاق السلام الذي سينزع منها السلطة المطلقة. لكن يكذب الواقع الميداني ظن البرهان. فالخلافات العميقة بين الجيش وحلفائه ظهرت على السطح خاصة في ظل الصراع بين القوات المشتركة(حركات دارفور) وميليشيا “البراءون” بعد أن رفضت الأخيرة الاستجابة إلى تعليمات الجيش بعد معركة  “أم صميمة ” غرب مدينة الأبيض  حاضرة ولاية شمال كردفان التي كبد فيها الدعم السريع كتائب البراء خسائر فادحة في الأرواح بسبب انسحاب قوات المشتركة. العلاقة بين الجيش وكتائب البراء ليست على مايرام بعد أن خضع قائد البرهان إلى ابتزاز الحركات المسلحة في التشكيل الوازري الجديد. وتشير بعض المعلومات تشير إلى مغادرة قيادات ميليشيا البراء بن مالك السودان. فقد ذهب المصباح أبوزيد طلحة إلى القاهرة وأويس غانم إلى تركيا هروباً من المشاركة في المعارك في كردفان. البرهان يسعى أيضاً إلى التخلص من الميليشيات الإسلامية وغيرها بعد أن بلغ عدد المليشيات الجهوية والقبلية (67). وهذا يعني إضعاف نفوذ الجيش . ولضرب عصفرين بحجر لجأ البرهان إلى وضع خطة ال “15 يوماً لإخلاء الخرطوم من المجموعات المسلحة لهدفين الأول منهما التخلص من القوات المشتركة وإنهاء وجودها في الخرطوم. الهدف الثاني الإيحاء للمجتمع الدولي بأن حكومة الأمر الواقع ستعود إلى الخرطوم قبل اجتماع اللجنة الرباعية لكسب موقف تفاوضي إذا أجبر على التفاوض.

البرهان واللعب على التناقضات

التحدي  الثاني طمع المجموعات المتحالفة مع الجيش في السلطة  فقيادات الحركة الإسلامية وا والحركة المسلحة الدارفورية بقيادة دكتور جبريل إبراهيم ومني أركوى مناوي تشارك البرهان الرغبة في استمرار الحرب والطمع في السلطة. بالرغم من أن البرهان يجيد اللعب على التناقضات  للتخلص من الشركاء، إلا أن اللعبة في زمن حساباتها مختلفة في ظل هشاشة التحالفات الميليشياوية. ودليل الطمع تمسك قيادات المشتركة بوزارات الموارد (المالية والمعادن). ولا يهم قيادات المشتركة  كم بلغ عدد القتلى في دارفور بسبب الحرب بل تهمها السيطرة المال. فشهوة السلطة والمال عند حلفاء البرهان وضعته في مأزق المفاضلة بين الخضوع لرغبتهم لأنهم يبتزونه بقوة السلاح أو مواجهة واشنطن في ظل إدارة ترامب. البرهان  يحاول كسب المعركة في ظل التناقضات ولكنها أكبر من قدرته على الخروج من المأزق  حتى إذا لجأ إلى خيار التخلص من بعض القيادات الجيش لمواكبة المرحلة المقبلة خاصة بعد المكالمات الهاتفية بينه والشيخ محمد بن  زايد رئيس دولة الإمارات التي تحمل الكثير من الرسائل.

أما التحدي الثالث فهو تباين الرؤي بشأن الحرب والسلام الذي قد يحدث انقساماً بين قيادات الجيش لأنه ليس كما يقال إن الحركة الإسلامية وحدها تسعى إلى السلطة  التي انتزعتها ثورة ديسمبر. فالبرهان  وياسر العطا وإبراهيم جابر يطمعون أيضا في السلطة التي لا يشاركهم فيها أحد؛ أي دكتاتورية عسكرية. فالتعيين الديكوري لرئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس لتنفيذ أوامر القيادة العسكرية خير شاهد. فحرص قيادات الجيش الحالية على الحكم لم يكن سلوكاً جديداً داخل مؤسسة الجيش التي لا تتقن إلا تخطيط وتنفيذ الانقلابات العسكرية والحروبات الأهلية. ويفضح  عدد الإنقلابات العسكرية وأرقام القتلى بسبب الحروب طبيعة مؤسسة الجيش. وكل التجارب مع العسكر أثبتت أنهم  يمتهنون مهنة السياسة وأغلب ضباطها إلا ما رحم ربي  يتخذون من الكلية الحربية معبراً للوصول إلى الحكم. وواهم من يظن أن مؤسسة الجيش قائمة على مفاهيم حماية الوطن. فهي قائمة على مفهوم الإستيلاء الحكم و حماية أنظمتها االديكاتورية بصرف النظر عن الأيديلوجية الحزبية التي تتخذها حاضنة سياسية لها. فهذه المؤسسة الموروثة من المستعمر جعلت البلاد أسيرة للدورة الخبيثة انقلاب عسكري – ثورة شعبية تطيح به – يعقبها إنقلاب عسكري، وهكذا.

الدعم السريع تحت مظلة تحالف تأسيس

التحدي الرابع الذي سيواجه الوسطاء هو تحالف السودان التأسيسي الذي يضم  الدعم السريع وبعض القوى المدنية المستقلة  والحزبية (الأمة القومي- الاتحادي الديمقراطي) والعسكرية (الحركة الشعبية – الجبهة الثورية). وقد أقر هذا التحالف ولأول مرة بأن يكون السودان “دولة علمانية ديمقراطية فدرالية ”  وهذا التطور يتطلب قراءة  جديدة للمشهد السياسي من قبل الإدارة الأمريكية في المفاوضات المقبلة. لأن الدعم السريع لا يبدو أن لديه نية مغادرة التحالف والذهاب إلى طاولة التفاوض منفرداً. وقد لا يكرر قائد قوات لدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)  خطأ الحركة الشعبية بقيادة الراحل دكتور جون قرنق مع حلفائه في التجمع الوطني الديمقراطي، حينما ذهب إلى التفاوض في نيفاشا  الكينية مع نظام الإنقاذ البائد تاركاً القوى السياسية المدنية وراءه، فكانت النتيجة الاتفاق الذي قاد إلى انفصال السودان. لماذا يتمسك الدعم السريع  بحلفائه  في تحالف  تأسيس؟ ببساطة  التحالف منح  قوات الدعم السريع وضعاً جديداً يختلف عما كانت عليه من قبل  كقوى مقاتلة بلا منفستو أو رؤية سياسية. فبعد توقيع القائد الثاني عبدالرحيم دقلو على ميثاق التأسيس أصبح الدعم السريع كياناً سياسياً وعسكرياً ضمن منظومة عريضة تعبر عن رؤية  قوى الهامش وجذبت  إليها من  يؤمنون بمبادئ حقوق الهامش وغيرهم من السودانيين. تحالف تأسيس  يعد من أكبر المتغيرات في المشهد السياسي بعد الحرب ووجود الحركة الشعبية قطاع الشمال بقيادة الفريق عبدالعزيز الحلو في التحالف زاده قوة ومنحه بعداً سياسياً كبيراً، لأن الحركة الشعبية تملك رصيداً نضالياً. ولها منفستو لمخاطبة قضايا الهامش فضلاً عن نفوذها السياسي والعسكري المتمثل في سيطرتها على مناطق كثيرة ولاية جنوب كردفان  وجبال النوبة. ومن المرجح  أن يذهب تحالف تأسيس إلى طاولة التفاوض وسيكون الدعم السريع تحت مظلته حتى لا يتكسر التحالف أحادا. بذات المنطق، ربما يطالب حلفاء الجيش بالمشاركة في المفاوضات إذا لم تعصف بهم الخلافات في حال اقتنعت قيادة الجيش بالحل السلمي.

المدنيين مابين صمود وتأسيس

التحدي الخامس هو مقترح واشنطن الذي يركز على تمثيل القوى المدنية في الحكومة الانتقالية التي انقلب عليها المكون العسكري في أكتوبر2021م حسب ما ورد في صحيفة (سودان تربيون). هذه القوى المدنية منقسمة بين تحالف السودان التأسيسي والتحالف المدني  لقوى الثورة (صمود) بعد الانفصال الحضاري بسبب أن تباينت الرؤى في تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) بشأن الحكومة الموازية في مناطق سيطرة الدعم السريع. فهل ستوجه الدعو إلى المدنيين في حكومة  المدنية دخل تنظيم في صمود  وهم: رئيس الوزراء دكتور عبدالله حمدوك ،و وزرائه  خالد  عمر يوسف ومحمد الفكي سليمان عضو مجلس السيادة السابق وزير شؤون مجلس الوزراء السابق، أيمن نمر والي الخرطوم السابق، وتيسير النوراني وزيرة العمل والتنمية الاجتماعية السابقة، وبثينة دينار وزيرة الحكم الاتحادي السابقة؟ أم ستشمل الدعوة المدنيين في تحالف تأسيس  وهم دكتور نصر الدين عبد الباري، وزير العدل  السابق والأعضاء السابقين في مجلس السيادة:  محمد حسن التعايشي، ودكتور الهادي إدريس، والطاهر حجر؟ الاجابة على هذه الأسئلة ربما يجيب عليها اجتماع اللجنة الرباعية أو الأطراف السودانية المعنية بالعملية السلمية. هذه بعض من التحديات  التي ستواجه المتفاوضين والوسطاء. تساءلات عديدة تطرح  نفسها. فما الذي سيفعله الفريق البرهان مع الضغوط الأمريكية؟ وما هي التوليفة التي تمنع حلفاءه من أن لا يشكلوا خميرة عكننة في المفاوضات؟. وهل قيادة الجيش لها القدرة على التمسك  باستراتجية النخب العسكرية التي  ترفض التفاوض مع الدعم السريع؟ وهل ستشهد  الساحة السودانية انشقاقات بين  الجيش وحلفائه؟ وهل سيكون الانقسام على على أساسي أيديولوجي بين الإسلاميين والآخرين، أم على أساس جهوي؟ وهل سيلجأ البرهان إلى خيار اسطحاب الحلفاء في مائدة التفاوض؟ كل هذه الاسئلة ستجيب عليها ردور الأفعال حول ما ستخرج به اللجنة الرباعية  بشأن إحياء مفاوضات السلام .الوساطة الأمريكية العربية عليها استطحاب كل هذه التحديات وتجيب على تساؤلاتها من أجل حسم صراع العسكر مع المدنيين بشأن السلطة. كما  تفرض على الوسطاء أهمية فهم تعقيدات الواقع الأمني السياسي السوداني .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!