تقارير وتحقيقات

الانفلات الأمني وجرائم النهب .. واقع يعكس إنهيار أجهزة الدولة في الخرطوم

الخرطوم، التنوير
تتجه الأوضاع الأمنية في العاصمة السودانية الخرطوم يوماً بعد يوم نحو الإنهيار الأمني والفوضى الشاملة بسبب إنتشار المسلحين وعدم انضباطهم وتورطهم في إرتكاب جرائم متعددة طالت المدنيين بما في ذلك التجار في واقع يعكس إنهيار المنظومة الأمنية وفشلها في حماية المواطنين.
وبلغ الإنهيار الأمني قمته بعد وقت وجيز من قرار رئيس سلطة الأمر الواقع عبدالفتاح البرهان بتشكيل لجنة عليا تعنى بتهيئة البيئة الملائمة لعودة سكان الخرطوم لمنازلهم بعد رحلة نزوح قاسية إستمرت نحو عامين، وأسند البرهان للجنة تهيئة الأوضاع في الخرطوم ضمن مهام أخرى إفراغ العاصمة من كافة التشكيلات المسلحة وقصر التواجد الأمنى والعسكري داخل مدن العاصمة لقوات الشرطة التي تعاني من مشاكل لوجستية والتسيب من العمل طبقاً لمصادر مطلعة لـ “التنوير”.
ووفقاً لمصادر أمنية وعسكرية تحدثت ل”التنوير” أن تشكيلات عسكرية عديدة من بينها مليشيا البراء بن مالك ومليشيات العمل الخاص التي يشرف عليها ياسر العطا فضلاً عن القوة المشتركة للحركات المسلحة تعارضان بقوة فكرة مغادرتها العاصمة وإخلاء مواقعها التي حازت عليها إبان النزاع مع قوات الدعم السريع قبل انسحابها ، حيث قال مني اركو مناوي المشرف العام على القوة المشتركة في وقت سابق أنه لم يتم اخطارهم بقرار إفراغ العاصمة من الوجود العسكري.
وتسيطر القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة على مواقع واسعة من العاصمة الخرطوم حيث لها ارتكازات ثابتة في منطقة غرب الحارات ومناطق دارالسلام في غرب أمدرمان والصالحة في جنوب أمدرمان والحاج يوسف في شرق النيل فضلاً عن تواجدها الكثيف في أحياء مايو والسلمة الأزهري وعد حسين في جنوب الخرطوم.
ونشطت القوة المشتركة في تجنيد آلاف من أبناء أحزمة الفقر في أطراف العاصمة وهو ما يعقد من إخراجها من الخرطوم.
جرائم العسكريين
ومنذ أن أعلن البرهان قراره بافراغ العاصمة من الوجود العسكري تصاعدت جرائم النهب والسطو المسلح في أحياء شمال أمدرمان، وسط اتهامات توجه للجيش وحلفائه من المليشيات المسلحة بالوقوف وراء الانفلات الأمني في محاولة ترمي لتقويض جهود إخراجها من المدن.
تصاعد العنف
ووسط تصاعد أعمال العنف والنهب والانفلاتات الأمنية في عدد من أحياء العاصمة السودانية، تواجه حكومة الأمر الواقع تحديات جسيمة في تنفيذ خطتها لإعادة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، التي لا تزال ساحة مفتوحة للاشتباكات المسلحة والتعديات على الأسواق والمنازل، لا سيما في جنوب المدينة وشمالها وغربها.
وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع اجتماعات مكثفة للجنة العليا لتهيئة البيئة لعودة المواطنين، برئاسة الفريق إبراهيم جابر، وعضوية الدكتور كامل إدريس، حيث تسعى اللجنة لوضع ترتيبات عملية لعودة آمنة ومستقرة للسكان.
مصادر ميدانية كشفت عن مقتل نقيب بالاستخبارات العسكرية في اشتباك وقع عند مدخل سوق جبل أولياء، بعد هجوم شنته مجموعة مسلحة على سوق “6” في دار السلام، أسفر أيضًا عن مقتل أحد المهاجمين وجرح ثلاثة آخرين، إلى جانب القبض على أربعة عناصر وفرار البقية.
وفي أم درمان، دخل أصحاب محلات الذهب في إضراب مفاجئ عقب حادثة اختطاف ونهب تعرض لها أحد تجار الذهب داخل منزله، قبل أن يُعثر عليه مقيدًا في منطقة نائية غرب الحارات. وعلى إثر تصاعد البلاغات، أطلقت شرطة ولاية الخرطوم خط الطوارئ 999 لتلقي شكاوى المواطنين.
ورغم هذه الأوضاع، واصلت اللجنة العليا اجتماعاتها، وأوصت بمزاولة الوزارات لأعمالها من مقار مؤقتة، وعلّقت عمليات صيانة المقرات الحكومية، بينما كشفت لجنة المساعدات الإنسانية عن وجود أكثر من 6 ملايين شخص بحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة، ما يعكس حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
ضرب في الشوارع
القصة بدأت بالنسبة لـ”بشير”، أحد سكان أم درمان شمالي الخرطوم، بعد تعرضه للضرب المبرح وكسر في يده على يد مجموعة مسلحة أوقفته “بطريقة مهينة”، بحسب وصفه. ولم تمضِ سوى أيام حتى تلقى خبر مقتل صديقه “حامد نبيل” على يد مسلحين بحي الحتانة أثناء مقاومته لمحاولة سرقة هاتفه.
وتتكرر مثل هذه الحوادث يوميًا، بحسب شهادات السكان، وسط انتشار كثيف لعناصر مسلحة ترتدي زي الجيش أو أزياء مدنية، بعضها يتبع لحركات دارفورية متحالفة مع الجيش، وأخرى تابعة لمجموعات إسلامية متطرفة مثل كتائب البراء.
ويرى مراقبون أن هذه الانتهاكات المؤسسية تعكس حالة من الانهيار الكامل للدولة، مع تحوُّل الخرطوم إلى ساحة صراع مفتوح بين أمراء الحرب. وفي هذا السياق، حذر الكاتب والباحث محمد منصور من أن تعدد مراكز القوة في العاصمة يُرسّخ حالة “فوضى منظمة” تُدار باسم السياسة ولكن جوهرها صراع على النفوذ.
في غضون ذلك، شهدت الأسابيع الأخيرة عودة نحو 400 ألف نازح إلى العاصمة، وفقًا لمنظمة الهجرة الدولية، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع أمني مرعب: جثث في الطرقات، أسواق منهوبة، و”أشباح” تحرس المدينة، بحسب وصف الباحث حسن عبد الرضي.
تقرير سابق للأمم المتحدة أكد على لسان خبرائها أن الخرطوم لن تكون صالحة لعودة وكالات الإغاثة قبل يناير 2026 حتى وإن توقفت الحرب، واصفًا المدينة بأنها “أصبحت خطرة للغاية”.
وفي ظل هذه المعطيات، تزداد المخاوف من أن تتحول الخرطوم إلى نموذج لفشل الدولة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لإخلائها من كافة التشكيلات المسلحة وعودة سلطة الدولة القانونية بشكل كامل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!