الأقلام المسمومة: كيف حوّل أكاديميو الحرب السودانية التاريخ إلى سلاح قبلي؟
عبدالله محمد ادم - كمبالا

عبدالله محمد ادم
في خضم دوي المدافع وصراخ النازحين، يخوض فريق آخر معركة خفية لكنها أخطر من القتال ذاته،انها معركة تشويه الذاكرة الجماعية، فقد دخل أكاديميون سودانيون – ممن يُفترض فيهم حماية الحقيقة وتنقية التاريخ – حلبة الحرب بأسوأ صورة ممكنة في محاولة لكتابة تاريخ مزيف، يعيد إنتاج أدوات المستعمر ذاتها، ويُحوّل البحث العلمي إلى سلاح قبلي ومناطقي مقيت.
لطالما عانى التاريخ السوداني من تشويه قاسٍ، فتاريخ المهدية – مثلاً – لم يكتبه أبناؤها بل كتبه المستعمر بعد سقوطها، محوّلاً ثورة شعبية عارمة إلى تمرد همجي في رواياته. واليوم، بدل أن يكون الأكاديميون حراساً ضد هذا التزييف، ها هم يرتدون عباءة المستعمر الفكرية، ويُعيدون الكَرّة بتشويه جديد، ظناً منهم أن انحيازهم القبلي الضيق سيرسم تاريخاً يخدم أجنداتهم العنصرية القاتلة،
انها محاولة اخذ التاريخ كغنيمة حرب، اذ لم تعد ساحات القتال وحدها هي المتنازع عليها، بل أصبحت روايات التاريخ وأرشيف الذاكرة ساحة معركة و بدل توثيق الحرب بموضوعية، انغمس بعض الأساتذة في تسخير مناصبهم الأكاديمية لترويج روايات منقحة، تُمَجّد طرفاً وتُشَيطِن آخر، مستخدمين مصطلحات علمية زائفة لتغليف التعصب الخام.
انه الانحياز المقنع بالعلم و الخطر الأكبر يكمن في تقديم هذا التشويه بوصفه بحثاً علمياً و يستعيرون له هيبة الجامعات ووقار الألقاب الأكاديمية ليضفوا شرعية مزيفة على روايات قبلية تكرر الكراهية،
إنه انتحار أخلاقي للمهنة و تحويل كراسي التدريس إلى منابر للتحريض، والأوراق البحثية إلى مناشير حرب و التاريخ لا يرحم، فشهادتهم ستكون إدانتهم!
الم يخطر في بال هؤلاء أنهم يبنون نصراً سردياً لغاياتهم الضيقة، لكنهم غافلون عن حقيقة كونية، هي ان التاريخ قاضٍ لا يرحم من يحاول تزييفه و ان ما يسطرونه اليوم بحبر منحاز لن يكون إلا شهادة إدانة أبدية ضدهم ،وان فقدان المصداقية العلمية هو السقوط الأول ،فالأبحاث المبنية على التعصب تتحول إلى مهازل في عيون الأجيال القادمة والضمير العلمي العالمي، فهو سقوط مهني و سقوط أخلاقي، فمشاركتهم في تغذية نيران الحرب بالكلمات تجعلهم شركاء غير مباشرين في المعاناة والدمار،اذ لا فرق بين من يطلق الرصاص ومن يسمّم العقول ليبرر إطلاقه
و انه سقوط تاريخي،لان التاريخ سيذكرهم ليس كباحثين، بل كأدوات في مشروع تشويه متعمد، كرروا فيه خطيئة المستعمر الذي حاربوا روايته ذات يوم!
إنها مهزلة تراجيدية.
فهل يدرك هؤلاء الأساتذة أن الحقيقة عصية على القتل و ان الحقائق المدفونة تطفو دوماً كجثث في النهاية، فروايات الضحايا، ووثائق المحايدين، وتحليلات المستقبلين ستكشف زيفهم و الضمير العلمي سيطالب بحقه يوم يسقط القناع، وستُفضَح أوراقهم المزوّرة، وسيصبحون منبوذين في الدوائر العلمية الجادة،
علي الأكاديميين الشرفاء، والمؤرخين الحقيقيين، والمجتمع المدني، وكل غيور على تاريخ السودان وضميره فضح التشويه و مواجهة الروايات المزيفة بالوثائق والحجج العلمية الرصينة، وكشف الانحياز المتعمد.
لن تنتهي الحرب فقط بانتصار عسكري، فالحرب الأطول هي حرب الذاكرة والأكاديميون الذين خانوا رسالتهم ليخدموا نزعات قبلية هم ليسوا مؤرخين، بل هم جُناة ضد التاريخ، و ما يكتبونه اليوم لن ينتصر لغرضهم، بل سيكون شاهدا خالداً على سقوطهم في مزبلة النسيان، إلى جانب كل من حَوّلوا الحقيقة إلى ضحية في سوداننا المنكوب. فليحفظوا أوراقهم جيداً، فستكون يوماً أدلة إثبات على إدانتهم.




