
نجم الدين دريسة
إنّ ظاهرة تناسل الأزمات في دولة ما بعد الاستعمار، والتي أُطلق عليها جزافًا اسم “الدولة السودانية القومية”، هي تعبيرٌ حقيقيّ عن حالة العجز التاريخي والمتراكم، تجلياتُه في عقلية النخب السياسية في السودان، التي ظلّت تنتج أنماطًا تفكيرية رغائبية، منكفئة على الولاءات الضيّقة التي لا تتّسع لرحابة وطن يتّسم بالتنوّع والاختلاف. وبالتالي، كانت بعيدة تمامًا عن التفكير الوطني القومي القادر على إدارة هذا التنوّع، وتوظيف الموارد لصالح البناء والتعمير.
وبما أن عقلية القوى السياسية والمدنية آنذاك كانت تهيمن عليها فكرة “التحرير”، لا سيما وأنها قد نشأت وتخلّقت بدعوى مناهضة الاستعمار، فقد تحنّطت عند محطة ما عُرف بالجلاء وسيناريوهات الاستقلال التي تمّت بصورة دراماتيكية، لا تشبه حركات التحرر التي شهدها “عالم الجنوب”. ونظرًا لغياب الأطروحات والتصوّرات، وفقر خيال النخب السودانية التي أدمنت الفشل – على حدّ تعبير الدكتور الراحل منصور خالد في كتابه النخبة السودانية وإدمان الفشل – فقد ظلّت الأحزاب السياسية تعاني من غياب الفكرة، وضعف البناء التنظيمي، علاوةً على ارتباطاتها الوثيقة بانتماءات أضيق كالطائفية، والعقائدية، والأيديولوجية، والقطرية، وارتهان بعضها لدول وأنظمة خارجية.
وهذه الأطر والأقمصة الحديدية تتناقض تمامًا مع مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والسيادة والاستقلال. فظلّت الممارسة السياسية الحزبية تشوبها الكثير من النقائص والنقائض، التي أدّت إلى خلق أبنية تنظيمية صورية، وغياب تام للمواعين القائمة على الحرية والعدالة والمساواة؛ حيث سيطرت النخب على كل المؤسسات المدنية والعسكرية، ولم يكن للشعوب السودانية أي دور، رغم أنها الركيزة الأولى في بناء الدولة الوطنية الحديثة.
هذا الوضع غير الطبيعي في الممارسة السياسية قاد إلى تأسيس وعي جماهيري زائف، ديماجوجي، وإطلاق شعارات هوائية بلا أدنى حوامل منطقية؛ لذا فشلوا في إنزالها لأرض الواقع، لأنها كانت مجرّد فقاعات لا تقوم على أيّ أسس موضوعية. علاوةً على ما واجهته أيضًا من ضغوط من الأنظمة العسكرية التي نكّلت بها في أحيان كثيرة، ودفعتها للمصالحة في أحيان أخرى. لكن ظلّت هناك خيوط رفيعة، طابعها المصالح والامتيازات، تربط بين الطرفين. وهذا ما جعل العسكر يستمرئون الانقلابات، إمّا بمولاة القوى السياسية نفسها، أو بالانقلاب عليها، نتيجة المؤامرات التي ظلت تحيكها هذه القوى ضد بعضها.
وليس هذا فحسب، بل إنّ معظم صراعاتها السياسية ما هي إلا تمظهرات للضعف والهشاشة الاجتماعية، حيث ظلّت تمثّل أوعية لاستدعاء الخلافات المجتمعية، حتى إنّ صراعاتها السياسية ذاتها ذات تمظهرات اجتماعية.
هذا المشهد الغرائبي في السياسة السودانية، حتى الذين انتقدوه – كالإمام الصادق المهدي، عليه الرحمة والمغفرة – عاد وتعايش معه بشكل يدعو للدهشة! فالرجل، عليه الرضوان، ظلّ يردّد في معظم خطاباته النظرية ضرورة انفكاك هذه الأحزاب مما أسماه “القيود”، كأن ينفكّ حزب الأمة من القيد الأنصاري، والاتحادي من القيد الختمي، والشيوعي من القيد الماركسي، والأحزاب الإسلامية من القيد الثيوقراطي، والأحزاب العروبية من القيد القطري. لكن الإمام نفسه كان يجمع بين إمامة الأنصار ورئاسة حزب الأمة، من الركاب حتى التراب! وفي ذلك – في تقديري – خطلٌ كبير، لا ينفرد به، بل تشاركه فيه كل الأحزاب التي تسمّي نفسها “حداثوية”، فهي أحزابٌ تزعم الديمقراطية ولم تمارس أيّ شكل من أشكالها في أروقتها، بل كانت هي ذاتها من انقلب على الأنظمة المدنية، وتآمر على الديمقراطية، وعاشت خارج السياقات التاريخية للدولة السودانية، في قطيعة “إبستمولوجية”، وغارقة في وهم الأيديولوجيا. وفاقد الشيء لا يعطيه.
وهناك أحزابٌ تُشبه الضيعات والشركات الخاصة، تتحكّم فيها الأسر والبيوتات وكيانات اجتماعية محدّدة، لا تعكس الصورة القومية، ولا تعبّر عن التنوع الاجتماعي والثقافي. والمؤسف أنها عصيّة على الإصلاح؛ لأنها بنيت على أسس مهترئة، لا تقبل إلا التفكيك وإعادة البناء على أسس جديدة. وهي ليست بأقلّ سوءًا من “جيش ونجت باشا” الموروث من الاستعمار.
إزاء هذا الواقع السياسي والاجتماعي بالغ التعقيد، لا بد من العودة إلى منصة التأسيس، وهدّ هذه الأبنية الهشّة، وبناء مؤسسات تعبر عن كل الشعوب السودانية. فالدولة المختطفة بواسطة النخب، قد اختُطفت حتى في مؤسساتها المدنية.



