رأي

المرأة السودانية: طاقات معطلة وأمة تنتظر نهضتها؛ (١-٣)

د. فاطمة الزين الغالي

د. فاطمة الزين الغالي

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، حيث تتقاطع الأزمات وتتراكم التحديات، لا يمكن لأي مشروع وطني للنهوض أن يُكتب له النجاح دون إعادة الاعتبار لدور المرأة، ليس بوصفها نصف المجتمع فحسب، بل بصفتها الرافعة الأساسية في بناء أمة حديثة، متصالحة مع ذاتها، ومؤمنة بقدرة كل أبنائها وبناتها على الفعل والتغيير.

وإذا كانت الإحصاءات السكانية الحديثة تُظهر أن النساء يشكلن ما يفوق نصف المجتمع السوداني عدديًا، فإن الحقيقة الأعمق أن المرأة السودانية تحمل على كاهلها عبئًا مضاعفًا؛ فهي العاملة والمربية، والنازحة والمقاومة، والطبيبة والمعلمة، وفي كثير من الأحيان المعيل الوحيد لأطفالها في ظل غياب أو تقاعس الأنظمة الذكورية.

القيد الذي كبل الطاقات

رغم ما أظهرته النساء السودانيات من كفاءة عالية في ميادين التعليم والطب والمجتمع المدني، إلا أن حضورهن ظل مقيدًا بثقافة ذكورية محافظة، لا ترى في المرأة إلا أدوارًا تقليدية تحصرها في البيت أو على هامش الحياة العامة. وقد تم هذا القيد باسم الدين تارة، وباسم العرف تارة أخرى، فاختزلت قدرات المرأة في تكرار وظائف الإنجاب والطاعة، بينما أُغلقت في وجهها أبواب القيادة، وصُنعت حواجز نفسية واجتماعية أمام مشاركتها الكاملة في الشأن العام.

إن تقييد قدرات المرأة ليس مجرد ظلم فردي، بل هو نزف وطني مستمر. حين تُقصى المرأة عن مراكز القرار، يُقصى معها نصف العقل السوداني، ونصف الخيال، ونصف العزيمة. حين تُجبر على الصمت، يصمت معها وجدان أمّة بأكملها، في زمن أحوج ما تكون فيه الشعوب إلى كل صوت حر، وكل عقل منير، وكل طاقة قادرة على البناء والتجديد.

بين التحرير والتقاليد

الحديث عن تحرير المرأة لا يعني الانفصال عن القيم السودانية الأصيلة، بل هو تجديد لهذه القيم من داخلها. فالمرأة السودانية ليست دخيلة على الكرامة أو الكبرياء، بل هي بنت مجتمع عرف الجدات البطلات، وأمهات الشهداء، والمربيات الصابرات. المطلوب هو أن نُحرر هذه القيم من التشويه الذي لحق بها على أيدي سلطات الاستبداد والتأويل الديني المتزمت، وأن نعيد للمرأة حقها في أن تكون فاعلة في مجتمعها، لا مجرد زينة على هامش النخبة، أو حاضنة تخرج من صمتها فقط للتهليل للزعيم.

لماذا تحرير المرأة هو تحرير للمجتمع؟

لأن المرأة حين تُفكر بحرية، تُربي أبناءها على التفكير.

وحين تُشارك، تُعلم أسرتها معنى المشاركة.

وحين تقود، تُكسر في المجتمع ثقافة التبعية. ولذلك فإن كل مشروع نهضوي لا يجعل من تحرير المرأة شرطًا للتغيير، هو مشروع ناقص، عاجز عن الانتصار في معركة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!