من ابوزيد والمويلح في الثمانينيات إلى كادُقلي والدلنج اليوم، الغذاءُ كسلاح حرب للهيمنة قراءةٌ في طبيعة السلطة في السودان وانقسام الوجدان الوطني

خالد كودي، المناطق المحررة/ نيوسايد
أولًا: الغذاء ليس محايدًا – حين يصبح البقاء مشروطًا:
في تاريخ السودان السياسي والاجتماعي الحديث، لم يكن الغذاء يومًا حقًا مضمونًا ومصان خارج منطق الهيمنة. فمنذ الاستقلال، ظلّت الدولة – بوصفها تعبيرًا عن نخبة مركزية – توظف الطعام كسلاح ضمن منظومة السيطرة: تارةً عبر تجويعٍ ممنهج للمناطق “المتمرّدة” أو الخارجة عن الطاعة، وتارةً عبر الاحتكار وتسييس الإغاثة، وتارةً عبر تعويم الأسعار والتجريم الرمزي للفقير.
إن تجويع الناس لم يكن نتيجة عجزٍ طبيعي، بل أداة لضبط المجتمعات وترويضها، وتحديد من يحق له الحياة ومن يجب أن يدفع ثمن “تمرده/ثورته” أو اختلافه أو حتى هويته. هذه السياسة ليست طارئة، بل جزء من بنية السلطة في السودان، والتي لطالما رأت في الهامش مصدرًا للثروة والجنود والخدمات، لا شريكًا كاملًا في الوطن والقرار.
ثانيًا: مجاعة الثمانينيات ونزوح الحزام الأسود – عندما كانت الخرطوم تُغلق أبوابها:
شهدت مناطق واسعة من دارفور وكردفان في أوائل الثمانينيات موجات مجاعة قاتلة، تسببت في نزوح مئات الآلاف إلى العاصمة والمدن الكبرى. لكن الخرطوم، بدلًا من أن تفتح ذراعيها، أقامت جدارًا نفسيًا وجغرافيًا، نشأت عنه مستوطنات النازحين التي عُرفت لاحقًا بـ”الاحزامة السوداء”. أحياء مثل أبوزيد، المويلح، وجنوب الحزام لم تكن مجرد تجمعات سكنية، بل تموضعت كهوامش داخل الهامش، محاصرة بحملات الكشة والوصم والتمييز والتهديد بالإزالة.
وُصف النازحون بـ”ناشري الأمراض”، و”المشوهين لوجه العاصمة الحديثة”، و”سبب الكارثة في أنفسهم”، وتحول حضورهم إلى عبء على خيال النخبة المدنية، التي لم تَرَ فيهم امتدادًا لوطن منكوب، بل عالةً تُهدد “الصفوة” في الخرطوم وامتيازاتهم الرمزية.
ولم تكتف السلطة بالتجريم الرمزي، بل قامت بسلسلة من السياسات الأمنية والبلدية التي استهدفت تلك الأحياء: الإخلاء القسري، منع الخدمات، تجفيف المدارس، الحرمان الكهرباء والمياة النظيفة وبقية الخدمات، ومصادرة أدوات الرزق والسيطرة علي الغذاء. وهكذا، كان الانتقال من الهامش إلى المركز انتقالًا من الموت البطيء إلى الإذلال المقنن والموت الأكثر بطئا.
ثالثًا: اقتصاد التجويع – الإغاثة في السوق، وليس في فم الجائع:
في مجاعة الثمانينيات، ظهرت مفارقة قاتلة: مواد الإغاثة التي وصلت من الخارج لم تسلك طريقها إلى أفواه الجوعى، بل تحولت إلى بضاعة في الأسواق. كبار التجار والسماسرة، بعلم السلطة وبتواطؤها، امتصوا قيمة المعونة، وتاجروا بأكياس القمح والزيت والذرة الممهورة بأختام “المساعدة الإنسانية”. وكانت النتيجة أن أصبح حق البقاء سلعة تُباع وتُشترى
وهكذا تحوّلت الإغاثة – التي يُفترض أن تكون إنقاذًا – إلى آلية لتعميق الفقر، وتغذية السوق السوداء، ومراكمة الثروة لدى ذات الشبكات التي تدير الدولة والسوق معًا. لا عجب إذًا أن تجويع النازحين كان يتم على يد من استغلوا مجاعتهم، وأن الخرطوم كانت ترى في حضورهم خطرًا، بينما يربح تجارها من مأساتهم.
رابعًا: ما الذي تغيّر؟ كادُقلي والدلنج اليوم تكرارٌ مرعب لنفس المسرح:
اليوم، في جنوب كردفان ودارفور، تتكرر القصة ذاتها بأدوات جديدة: الإغاثة تُحتجز، وتُصادر، وتُمنع من الوصول إلى المناطق المنكوبة. أطفال يُجندون مقابل الطعام. وأسر تُخيّر بين التجنيد أو الجوع. المنظمات الإنسانية تُمنع من العمل، وتُغلق مكاتبها، وتُطارد شبكاتها. أما المواد الغذائية فتصبح مخزونًا لدى الجيش، وموردًا للولاء السياسي.
السلطة القائمة في كادقلي والدلنج لا تخفي نهجها: السيطرة على المعونات ليست انحرافًا، بل سياسة. ويُراد من التجويع، أن يكون عقوبة جماعية، ورسالة إذعان: إمّا أن تنخرط في آلة الحرب وفقا لشروط واوامر سلطة بورتسودان، أو تُترك لتواجه الجوع والموت في صمت.
خامسًا: الوجه المقابل – مقاربة إنسانية – للحركة الشعبية:
في خضم هذا الظلام، تبرز مقاربة مغايرة: الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، حين أعلنت المجاعة في أغسطس 2024، لم تربط المساعدات بالولاء، بل فتحت أراضيها للمنظمات، ودعت إلى مسارات إنسانية مفتوحة لكل السودان، بما في ذلك دارفور، والجزيرة، والخرطوم. المبدأ الذي تتبناه بسيط لكنه جذري: الكرامة الانسانية لا تُجزّأ، والمساعدة لا تُسيّس
كما دعت الحركة إلى اتفاقات إنسانية ثنائية تضمن حياد العمل الإغاثي، وتحمي القوافل من القصف، وتضمن حرية تخزين المواد وتوزيعها لكل المتضررين دون تمييز. في هذا الموقف تتجلى قيمة أخلاقية وسياسية وإنسانية عميقة: ليست مجرد رعاية للمحتاج، بل تأسيس لمفهوم المواطنة من بوابة الحق في الحياة.
سادسًا: الجيش والدولة.. والإبادة عبر التجويع:
في جنوب السودان، ودارفور، وجبال النوبة، والفونج، والشرق لم يكن الجيش في تاريخه ممثلًا للأمة، بل ذراعًا للسلطة المركزية. وقد وظف الجيش السوداني – بتوثيق واسع – سياسات الافقار والأرض المحروقة، فدمر الآبار، وسمّم المضخات، وحرق الحقول، ونهب المحاصيل، وحرق الأواني وطواحين الغلال. لم يكن هدفه النصر فحسب، بل تدمير وسائل الحياة نفسها.
إن هذه الممارسات ليست استثناءات، بل تجليات لبنية سلطوية ترى في الإنسان المهمّش مشروعًا مشبوهًا يجب تقويضه، وتجريده من الحياة، ثم مساءلته لماذا لا يعيش بشكل لائق. وهذا منتهى القسوة والعنصرية.
سابعًا: الوجدان السوداني ليس واحدًا… لكنه يحتاج إلى التأسيس:
لقد أثبتت الأحداث أن ما نسمّيه مجازًا “الوجدان الوطني” هو بناء غير مكتمل، هش، ومشوّه. لم يشعر المركز في الخرطوم، ولا نخب المدن، بالجوع الذي ضرب الهامش، ولا بمآسي الموت المنظم ولا المجاعات والنزوح، ولا بحملات الكشة، ولا بالمجازر الجماعية. صمتت النخب، أو شاركت في الوصم، أو تواطأت بالسكوت. حتى جاءت الحرب الأخيرة، وطرقت أبواب الجميع- جميع السودانيين في كل السودان دون استثناءات.
اليوم، الخرطوم نفسها تنزح، والجزيرة تجوع، والشمالية تتشرّد. الملايين في المدن الكبرى فقدوا الأحبة، والبيوت، والطمأنينة. المشهد مؤلم، لكنه أيضًا كاشف. لقد وصل الدور، كما في حكمة الثور الأبيض، ولم ينجُ أحد
لكن هذا ليس وقت العتاب ولا الشماتة. من المؤسف أن يُقتل أبناء وبنات الوطن، ويُجواعوا ويُشرّدوا، دون أن يُوقظ ذلك حسًّا بالأسى أو الغضب. لقد آن الأوان أن نراجع كل المطلقات التي ورثناها دون مساءلة: من هو “المواطن”؟ ومن يستحق الحياة؟ وما هو شكل الوطن الذي نريد أن نبنيه؟
اللحظة تتطلب تأسيسًا لوجدان جديد، لا يقوم على العنصرية او الحظوة، اوالخوف، أو المركزية، أو الامتياز، بل على الإقرار بالمواطنة المتساوية، والكرامة غير القابلة للتجزئة. هذا الوجدان لا يُبنى بالشعارات، بل بالاعتراف، والقبول، والمحاسبة، والعدالة التاريخية، والاعتذار المستحق، والتأسيس لمبادئ فوق دستورية تجرّم التمييز والتجويع والإقصاء.
خاتمة: من الكارثة إلى التأسيس:
رغم الظلام، هذه لحظة أمل.
ما نعيشه اليوم ليس فقط مأساة، بل فرصة لتأسيس دولة جديدة
– لا تتحكم فيها نخبة تستأثر بكل شيء وتوزع الفُتات حسب الولاء
– ولا جيش يُجند الأطفال مقابل الذرة
– ولا مدن تغلق أبوابها في وجه من جُوّعوا ثم وُصفوا بالعار
إن مقاربة الحركة الشعبية، في تبنيها لحق الإنسان في الحياة دون شروط، تمثل نواةً ممكنة لوطن جديد، يُبنى من الهامش، ويتجاوز الهامشية، ويُعيد توزيع الكرامة قبل الثروة.
فلنفتح هذا الباب معًا، ولنعلن أن الكرامة لا تُساوَم، والغذاء ليس أداةً للقتل، والمواطنة ليست منحة تُمنح بل حقٌ لا يُنتزع. ولنجعل من هذا الوجدان الجديد نواة الجمهورية القادمة.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)



