
عباس احمد السخي
في أزمنة الفجيعة الكبرى، لا يُمتحَن السلاح وحده، بل يُمتحَن الضمير، وتُوزن المواقف لا الأقوال، وتُفضَح النيات لا الشعارات. وما أكثر الذين انهاروا في محرقة الحرب السودانية التي بدأت في أبريل 2023، عندما أطلق الإخوان المسلمون، عبر تحالفهم مع المؤسسة العسكرية، حربًا شاملة على شعبنا، حاصرت الخرطوم، وخنقت دارفور، وأحرقت قلوب الأمهات في الرميلة ونيالا، ودفعت الأطفال إلى أقبية الجوع والتشرد، والنساء إلى معابر النزوح، والرجال إلى الخنادق والمقابر الجماعية.
في خضم هذا الجحيم، انتظر الناس صوت المثقف؛ لا ليقدم وصفًا محايدًا للمأساة، بل ليكون صوتًا ضميرًا، شاهدًا مقاومًا، رافعًا لواء الحقيقة لا متلحفًا بالصمت أو متواطئًا مع القتلة. لكن خذلان بعض الكتاب كان صادمًا؛ وموقف الكاتب عبدالعزيز بركة ساكن هو من أبرز تجليات هذا السقوط. في مقال رصين وموجع، كتب الصحفي عبد الرحمن الكلس عن “خيانة بركة”، لا باعتبارها خيانة أدبية فحسب، بل خيانة وجودية لجوهر ما تعنيه الكتابة في بلاد تنهار.
فالكاتب الذي طالما تباهى بقربه من الهامش وبكائه على معاناة المهمشين، إذا به يبيع مداد قلمه لمن ركبوا الدبابة، وساقوا الناس إلى المقاصل، وانحاز في حرب الإبادة إلى القتلة والمأجورين، ناسيًا مئات الآلاف من الفقراء الذين احترقوا في نيالا وكتم وأم درمان. والأسوأ أن بركة ساكن، بحسب شهادة الكلس، قد خان حتى دائرة الحياة الضيقة، حين هجر زوجته المصابة بالسرطان في غربة المنفى، فاختزل مأساة الشخصية العامة في مأساة رجل بلا وفاء. إن أمثال بركة لا يمثلون فقط انكسار الحبر، بل يمثلون انكسار الأخلاق، حين تذبل القيم في أول عاصفة.
لكن الفجيعة لا تقف عند بركة وحده؛ فثمة مثقفون آخرون تهاووا من علياء الصورة التي صنعوها لأنفسهم، في مقدمتهم الدكتور عبدالله علي إبراهيم، الذي كان يتغنى طوال عمره بالأنثروبولوجيا وثقافة الأعراق، ويقف على أطراف الفقه الثقافي وكأنه “الراسخ في العلم”. هذا الرجل الذي ظل يتقمص دور الحكيم القومي، سقط في امتحان الحرب، حيث ووقف — بلا مواربة — في خندق الإخوان، مدافعًا عن آلة القتل، مسوغًا العنف الممنهج، وصامتًا عن مجازر الجيش وحلفاؤه من حركات التطرف، وكأن دماء دارفور لا تعنيه، وأشلاء أطفال مايو لا تبلّغ سمعه.
ليس من السهل على شعب مثخن بالجراح أن ينسى المواقف، لأن الموقف، حين يغدو تواطؤًا مع القتلة، يكون خيانة مضاعفة: خيانة للضمير، وللشعب، وللمعنى نفسه. وهنا تتبدى صورة محمد جلال هاشم، الرجل الذي ظل يفاخر بانحيازه للهامش، ويرتدي عباءة الدفاع عن المظلومين، فإذا به — في لحظة الحقيقة — يتهاوى كتمثال من الطين، تمامًا كما سقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس. كان الناس ينتظرون صوتًا عقلانيًا منه، لكنه آثر الصمت عن الجريمة حين كان الموت يجوب الأزقة، وبدلًا من أن يقف مع شعبه، اختار التوازن البارد، فأحال نفسه إلى ظل باهت.
محمد جلال لم ينحَز فحسب، بل انزلق في عفن الموقف ذاته وما أخطر من الانحياز للشر(!)، الانحياز للقتلة انما مشاركة في سفك الدم عينه وبالأخص حين يصدر عن من يدّعي قيادة الوعي. لقد هوى تمثال “النصير للمحرومين” في وجدان السودانيين، حين تخلّى عن دار الأيتام المحترقة في مايو ودار المسنين في الخرطوم (٣) الذين ماتوا جوعا وعطشا حينما ضاق الطريق، وغض الطرف عن المجازر، ونام على وسادة اللامبالاة فيما الشوارع تمتلئ بالرؤوس المقطوعة وأحشاء الأمهات المبقورة.
ان الثالوث المثقفاتي: بركة، وعبدالله، وجلال، لم يسقطوا من علياء الوعي فقط، بل تساقطوا كأوراق توت قديمة فضحتها عاصفة التاريخ. لقد فشلوا في أن يكونوا مرآة لأوجاع الناس، وتحولوا إلى صدى للنظام، أو ظلًا باهتًا له. حيث ان المثقف الذي يعمي عينيه عن مشهد الحرب، ويسكت عن الخطف والقتل، ويقف في خندق الجلاد، لا يُحسب على الوعي، بل على الكارثة.
إنهم ليسوا مجرد أسماء، بل نماذج للفجيعة والخديعة. الفجيعة لأنهم خذلوا من اعتقدوا فيهم، والخديعة لأنهم ظلوا سنوات يُسوّقون أنفسهم كحَمَلة مشعل التنوير، حتى كشفت الحرب واسقطت القناع، ولم يتبقَ سوى صوت الجثث وأنين الأمهات.
وحين تُكتَب فصول هذه الحرب السودانية الأليمة، سيذكر التاريخ أن الشعب صمد، والنساء قاومن، والأطفال تشبثوا بالحياة، فيما بعض المثقفين اختاروا أن يكونوا جزءًا من ماكينة القتل بالصمت، أو التبرير، أو التواطؤ. وهؤلاء لا يُكتَب عنهم في خانة الشرف، بل في خانة العار، وهم ليسوا إلا وجوهًا للكارثة نفسها، التي تُغتال فيها الحقيقة، على يد الذين كانوا يُفترض أن يكونوا حرّاسها.




