
صالح السليمي
ليست إدارة الدول اختبارًا في البقاء فحسب، بل امتحانٌ في الوعي العميق بطبيعة المجتمع وتعقيداته. وفي الحالة السودانية، تتجلى المعضلة الكبرى في عجز النخب المتعاقبة عن قراءة سؤال التنوع قراءة راشدة، فالتنوع ليس عبئًا كما تُصوّره العقليات القاصرة، بل ثروة مركبة تحتاج إلى إدارة ذكية، عادلة، ومتوازنة. غير أن ما حدث، تاريخيًا، هو العكس تمامًا؛ إذ تحوّل هذا التنوع إلى ساحة صراع بسبب فشل الإدارة لا بسبب وجوده.
إن الشعوب المتعددة تواجه دومًا تحديات مركبة في إدارة اختلافاتها الثقافية والإثنية والدينية، لكن الفارق بين النجاح والفشل يكمن في المنهج. فإدارة التنوع لا تُختزل في السيطرة الأمنية ولا في الخطابات الشعبوية، بل في بناء عقد اجتماعي يعترف بالاختلاف ويمنحه مشروعية الوجود والمشاركة. وحين يغيب هذا الفهم، تتحول الدولة إلى جهاز قمعي، ويتحول المجتمع إلى كتل متنافرة تبحث عن خلاصها خارج إطار الوطن.
وهنا يتبدى التناقض الجوهري بين منهجين: الاحتواء الإيجابي والاحتواء التضليلي. الأول يقوم على الاعتراف الحقيقي بالتنوع، وعلى استيعاب احتياجاته ضمن منظومة عادلة لا تستبيح حقوق الآخرين ولا تُسخّر موارد الدولة لصالح نخبة ضيقة. إنه منهج يؤسس للاستقرار عبر العدالة، ويصنع الولاء عبر الإنصاف، ويمنع الانفجار عبر المشاركة.
أما الاحتواء التضليلي، فهو الوجه الآخر للأزمة، بل هو لبّها الحقيقي. إنه منهج يقوم على خداع الجماهير بشعارات زائفة، بينما تُدار الدولة فعليًا بعقلية الاستغلال والنهب. في هذا النموذج، تُرفع لافتات الوحدة بينما تُزرع بذور التفرقة، ويُبشَّر بالعدالة بينما تُمارس أقسى أشكال الإقصاء. والنتيجة الحتمية لذلك هي تراكم الغبن، حتى يتحول إلى براكين اجتماعية تنفجر في شكل ثورات مطلبية، لا تطلب سوى ما كان يجب أن يُعطى منذ البداية: العدالة.
ومنذ الاستقلال، أهدرت الحكومات السودانية موارد البلاد الهائلة في حروب عبثية، لم تُحقق نصرًا ولم تبنِ دولة، بل مزّقت الجغرافيا وكسرت الروح الوطنية. هذه الحروب لم تكن قدرًا، بل كانت نتيجة مباشرة لغياب الرؤية، وللإصرار على إدارة الأزمات بعقلية أمنية ضيقة، لا ترى في الاختلاف إلا تهديدًا يجب سحقه، لا فرصة يجب استثمارها.
والأخطر من ذلك أن جميع الحكومات، مدنية كانت أم عسكرية، وقعت في الفخ ذاته: إدارة السودان عبر نظرية المؤامرة. ففي حرب الجنوب، لم يكن هناك استعداد للاعتراف بالمظالم الموضوعية، بل جرى تصوير القضية وكأنها مؤامرة خارجية. وبدلًا من المعالجة السياسية، تم اللجوء إلى الحلول العسكرية، فكانت النتيجة حربًا مدمرة أنهكت الشمال والجنوب معًا، وأضاعت فرصة تاريخية لبناء دولة تقوم على العدالة والمساواة. وانتهى هذا المسار بانفصال جنوب السودان، كحصيلة منطقية لسياسات إنكارية لا تعترف بالواقع.
واليوم، يعاد إنتاج السيناريو ذاته بصورة أكثر فجاجة. فمنذ عام 2003، جرى التعامل مع الحركات الجهوية باعتبارها تمردات خارجة عن القانون يجب سحقها، دون أي محاولة جادة لفهم جذور الأزمة. واستُخدمت سياسات “فرّق تسد” بأشكال متعددة، لكنها اشتركت جميعًا في فشلها الذريع. فهذه السياسات لا تُنهي الصراع، بل تعيد إنتاجه في دورات أكثر عنفًا، وتمهد الطريق لتكرار سيناريو الانفصال والتشظي، ولو بعد حين.
إن اللحظة الراهنة تفرض نداءً صريحًا: لا بد من القطيعة مع هذا المنهج العقيم. فالسودان لا يحتمل المزيد من المناورات السياسية التي تُدير الأزمة بدلًا من حلّها. المطلوب هو تحول جذري في طريقة التفكير، يضع القضايا المصيرية في إطارها الصحيح، ويعالجها بأدوات سياسية عادلة، لا بأدوات أمنية فاشلة.
لقد كانت كلفة السياسات الخاطئة تجاه جنوب السودان كارثية بكل المقاييس. فبفعل تلك السياسات، فقد السودان ثلث مساحته لأسباب غير موضوعية، وخسر اقتصاديًا نحو 75٪ من صادراته النفطية، و80٪ من غطائه النباتي الكثيف، و90٪ من أحيائه البرية، و90٪ من إنتاج الغابات، لا سيما الأخشاب. أما الخسارة الأكبر، فكانت إنسانية وثقافية؛ إذ فقد السودان شعب جنوب السودان، ذلك المكوّن الفريد بسحنته وثرائه الثقافي والاجتماعي، والذي كان يمكن أن يكون مصدر قوة لا سبب فرقة.
وإذا لم يتم تدارك الأمر في الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات، فإن الكارثة مرشحة للتفاقم بصورة غير مسبوقة. فالتقديرات تشير إلى احتمال فقدان نحو 75 إلى 80٪ من الثروة الحيوانية، و80٪ من قطاع الزراعة المطرية، و90٪ من إنتاج الصمغ العربي. وهذه ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات على انهيار شامل يهدد بقاء الدولة نفسها، لا فقط استقرارها.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستمر النخب الحاكمة في الدوران داخل الحلقة المفرغة ذاتها، أم تستفيق أخيرًا على حجم الكارثة؟ هل تواصل تكرار السياسات القديمة التي أثبتت فشلها، أم تتحلى بالشجاعة الكافية لمراجعة الذات، والانخراط في مسار جديد يقوم على المسؤولية والاعتراف والعدالة؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تحدد مستقبل السلطة فحسب، بل تحدد مصير وطن بأكمله، يقف اليوم على حافة الانهيار، منتظرًا قرارًا تاريخيًا: إما الخروج من نفق المؤامرة، أو السقوط في هاوية التفكك.




