رأي

أرض واحدة… حكومتان: هل انتهى السودان الموحّد؟

عادل تاج الدين جَارَالنبي - دالاس / تكساس

عادل تاج الدين جَارَالنبي – دالاس / تكساس

بين مفترق طرقٍ خطير وتحولات غير مسبوقة، يقف السودان اليوم أمام أحد أكثر فصول تاريخه تعقيدًا. فبينما لا تزال حدود الدولة قائمة على الخريطة، يتسع الانقسام في الواقع الميداني والسياسي حتى باتت البلاد أشبه بكيانين: حكومتان، جيشان، ومشروعان متناقضان في الرؤية والمسار.

في الشمال والشرق والوسط، تبسط القوات المسلحة سيطرتها، متسلحة بشعار “استعادة الدولة ومحاربة التمرد”، بينما تفرض قوات الدعم السريع نفوذها على أجزاء من الغرب والخرطوم، متبنية خطاب “التغيير الجذري” و”إعادة البناء من الهامش”. ورغم غياب الإعلان الرسمي عن نوايا الانفصال، إلا أن الحقائق على الأرض تُنذر بانقسام فعلي، يتجاوز النزاع العسكري إلى مشروعين مختلفين للسلطة والدولة.

ما يزيد من خطورة هذا الواقع هو الغياب شبه الكامل لدور القوى المدنية، التي تقهقرت إلى الخلف، مكتفية بإصدار البيانات، وعاجزة عن إنتاج رؤية جامعة تنقذ ما تبقى من جسد الدولة. في المقابل، بدأت بعض العواصم الإقليمية والدولية بالتعامل مع أطراف النزاع كسلطات أمر واقع، وهو ما يعزز من حالة “التقسيم الصامت”، ويُقوّض ما تبقى من أمل في استعادة الدولة الموحدة.

السيناريو الليبي يلوح في الأفق، حيث تحوّلت الدولة هناك إلى ملعب لتجاذبات داخلية وخارجية، فُقدت فيه السيادة وتعددت الحكومات والولاءات، وغابت فيه المؤسسة الوطنية الجامعة. فهل يسير السودان في ذات الطريق؟

إن إنقاذ السودان من هذا المصير لا يتطلب معجزة، بل شجاعة في الاعتراف، وصدقًا في النوايا، وعملًا جماعيًا مخلصًا. والخطوة الأولى تبدأ من:

الاعتراف بأن البلاد تواجه أزمة وجود حقيقية، تهدد وحدتها واستقرارها.

التحرك الفوري نحو وقف الحرب، وفتح باب الحوار الوطني الشامل دون إقصاء أو شروط مسبقة.

العمل على مشروع وطني يؤسس لدولة مدنية لا مركزية، تعالج جذور الأزمات وتُعيد الاعتبار للمواطنة والعدالة.

رفض أي تدخل خارجي يسعى لفرض وقائع ميدانية كبدائل للدولة، أو يمنح الشرعية لسلطات الأمر الواقع.

اليوم، لم يعد السؤال: من سيكسب الحرب؟ بل ماذا سيبقى من السودان إذا خسر الجميع؟ فالانتصار الحقيقي هو في وقف النزيف، وبناء وطن يسع كل أبنائه، وطن تُعلو فيه الكلمة على السلاح، والمصلحة الوطنية على المكاسب الشخصية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!