
سمية النور دهب..دبلن
يحمل استبعاد الكونغرس الأمريكي للتعديل الذي قدّمه السيناتور جيم ريش بشأن تقييم قوات الدعم السريع احتمال تصنيفها كمنظمة إرهابية، دلالات سياسية تتجاوز حدود النقاش التشريعي. فهذه الخطوة جاءت في لحظة يتداخل فيها الصراع السوداني مع حسابات دولية معقدة، ومع حالة سيولة سياسية داخل السودان تستغلها جهات عدة لصناعة سرديات متضاربة. ومن هذا المنظور، فإن ما حدث في واشنطن لا يمكن قراءته إلا باعتباره إشارة أولى نحو مراجعة أوسع لطبيعة الصراع، ولمن يحاول التحكم في مساره عبر خطاب أحادي.
لقد حاولت بعض الجهات دفع صورة نمطية عن قوات الدعم السريع، اعتماداً على سرديات متكررة واتهامات غير مدعومة بتقارير مستقلة حاسمة. ورغم كل الحملات المنظمة التي سعت لإلصاق تهم الإرهاب بها، إلا أن النقاش الأمريكي انتهى إلى نتيجة مفادها أن الملف يحتاج إلى تحقيقات موضوعية لا تعتمد على الدعاية السياسية أو تأثير اللوبيات. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً داخل المؤسسات الأمريكية بأن الأزمة السودانية أعقد من تصنيف جاهز أو حكم مسبق.
وفي المقابل، تتزايد المؤشرات على أن المجتمع الدولي بات ينظر بجدية أكبر إلى المخاطر المرتبطة بالتنظيمات العابرة للحدود، وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين. فالتوجه المتنامي لإقرار تشريعات قد تضع التنظيم تحت بند التصنيف الإرهابي يعكس تحولات عميقة في بنية الفهم الدولي لطبيعة التهديدات في المنطقة، وللجهات التي تتلاعب بمسارات النزاعات الداخلية عبر غطاء أيديولوجي.
أما في الداخل السوداني، فقد ظل الدعم السريع—وفق تقييمات كثيرة داخل الأوساط المدنية—طرفاً واجه محاولات تشويه مستمرة، رغم أنه كان من أوائل القوى التي تفاعلت مع مطالب الثورة. ومع ذلك، فإن المؤسسة لم تُعفَ من الاتهامات، بعضها يستند إلى وقائع مختلطة أو ارتكبتها مجموعات انتحلت هويتها، وبعضها الآخر مرتبط بتجاوزات فردية لا يمكن مقارنتها بمنهجيات القصف الجوي والانتهاكات الواسعة المرتبطة بالوحدات العسكرية التقليدية خلال الحرب.
الموقف الأمريكي الأخير لا يمنح حصانة لطرف ولا يبرئ آخر، لكنه يفتح الباب أمام مقاربة أكثر توازناً، تُخضع الوقائع للتدقيق بعيداً عن الخطاب التعبوي الذي غذّى الحرب. هذه المقاربة قد تشكل فرصة لإعادة توجيه العملية السياسية نحو حلول واقعية تنهي العنف وتعيد بناء الثقة بين المكونات الوطنية.
إن السودان، وهو يقف على حافة تحولات مصيرية، يحتاج إلى قراءة جديدة للعالم من حوله. فالعلاقة مع واشنطن ليست رهينة طرف واحد، بل تتشكل وفق قدرة السودانيين على إنتاج مسار سياسي جامع. وما حدث في الكونغرس ليس نهاية النقاش، لكنه بداية لإعادة تعريف كيف يُفهم السودان دولياً، وكيف يمكن للسودانيين استثمار هذه اللحظة في طريق سلام أكثر ثباتاً وعدلاً.




